Site icon صحيفة صدى نيوز إس

إدارة العلاقات الزوجية المستديمة 

 

بقلم الدكتور /

خالد عمر محمد العمودي :جدة:-

مقدمة: في زحام الحياة:

في زحام الحياة المعاصرة، وتسارع وتيرتها، وضغوط الالتزامات اليومية التي لا تنتهي، قد يتسرب الجفاف والروتين إلى أروقة الكثير من البيوت. ومع طغيان الأجهزة الذكية وعالم التواصل الافتراضي، بات الزوجان أحياناً يعيشان تحت سقف واحد، لكن تفصلهما مسافات شعورية شاسعة!

هنا تبرز حاجة ماسة إلى الاستراحة والتجديد، أو ما يمكن تسميته بـ “أدب الفواصل”؛ وهي تلك المساحة الزمانية والمكانية المؤقتة التي يبتعد فيها الزوجان عن روتين الحياة اليومية، ليعودا بأرواحٍ أكثر إقبالاً وقلوبٍ أشد اشتياقاً.

ادراك أَدَبُ الفَوَاصِلِ:

كيف يُحيي البُعدُ المؤقتُ الشغفَ في الحياة الزوجية؟

رسالتنا للمتزوجين.. وخاصة المستجدين:

إلى كُلِّ عَرُوسَيْنِ يَخْطُوانِ خُطُواتِهِمَا الأولى فِي طَرِيقِ العُشِّ الزَّوْجِيِّ، وإِلَى كُلِّ زَوْجَيْنِ يَرْغَبَانِ فِي حِمَايَةِ شَمْعَةِ الحُبِّ مِنْ أَنْ تُطْفِئَهَا رِيَاحُ الرَّوتِينِ:

اعْلَمَا أَنَّ الزَّوَاجَ رحلةٌ طويلةٌ تحتاجُ إلى مَهَارَةٍ فِي القِيَادَةِ، وَلَيْسَتْ شَارِعاً مُسْتَقِيماً لا انْعِطَافَ فِيهِ. وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ جَوَانِبِ “الذَّكَاءِ العَاطِفِيِّ” الَّذِي يُؤَمِّنُ لَكُمَا الاستِقْرَارَ هُوَ مَا نُسَمِّيهِ

بـ “أَدَبِ الفَوَاصِلِ”.

1. فلسفة البُعد والتجديد في المفهوم الإسلامي:

لم يجعل الإسلام الحياة الزوجية قيداً يخنق حرية الإنسان أو يلغي شخصيته ومساحته الخاصة، بل أقامها على التوازن والمرونة. يقول الله تعالى:

“وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ”

سورة الروم (21)

والمودة والرحمة ليستا مجرد مشاعر جامدة، بل هما نبتة حية تحتاج إلى الرعاية والتعهّد والتجديد. وإنّ البُعد المحسوب بين الحين والآخر يوقظ لهيب الشوق الذي قد يطفئه “جوار العادة”.

وقد أشار النبي ﷺ إلى طبيعة القلوب وحاجتها للتنويع والراحة، فقال لحنظلة رضي الله عنه: «سَاعَةً وَسَاعَةً»

(رواه مسلم)

فإذا كانت القلوب تحتاج للتنويع والتنفس في العبادة والحياة، فمن باب أولى أن تشتاق القلوب في العلاقات الإنسانية والزوجية إلى فترات استجمام تُجدد طاقتها.

بل إنّ القرآن الكريم لَفَتَ الأنظار إلى أثر التنويع والتغيير في المأكل والمشرب لقطع الملل، كما في قصة بني إسرائيل:

قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾

فالنفس البشرية بطبعها تملُّ النمط المتكرر، وتتجدد روحها بالتغيير والأنفاس المتباعدة.

2. أثر “البُعد المؤقت” في بناء الشوق ومحو الخلافات:

يقول المثل العربي المأثور: “زُرْ غِبَّاً تزدَدْ حُبَّاً”، وتقول الأمثال الشعبية في المأثور الدارج: “ابْعدْ تَزْدَدْ حُبّاً” أو “البُعْد يُحْيِي الشَّوْقَ”.

فالإفراط في المخالطة والملازمة الدائمة وسط الضغوطات والمسؤوليات قد يولد الملل ويثير الحساسيات الصغيرة. أما الابتعاد المؤقت (كسفر أحدهما لعمل، أو زيارة الزوجة لأهلها لبضعة أيام، أو الذهاب في رحلة استجمام خاصة):

يُعيد تفعيل لغة الشوق: يُحيي تبادل كلمات الغزل والرسائل الدافئة التي غابت وسط انشغالات المنزل والأطفال.

يمنح فرصة للمراجعة والتقدير: يعيد التذكير بقيمة الطرف الآخر في الحياة؛ فالنعمة إذا اعتيدت قد يُغفل عن شكرها، والبُعد يذكر بجمال أثرها. وكما قيل في الأثر: “النعمة إذا طال عليها الأمد أُلفِت، وإذا أُلفِت نُسِيت”، والبُعد يوقظ الشكر عليها.

يغسل صغائر الخلافات: يمتص التوتر المتراكم ويمنح كلاً من الزوجين مساحة للهدوء والتفكير بعقلانية ومسامحة الآخر.

 

3. التفاهم المرن أم الشروط التعاقدية؟:

ننادي هنا بجعل فترات الاستجمام هذه “بنوداً وشروطاً رسمية” في عقود النكاح (كإجازة مدفوعة التكاليف للزوجة

هي :

ان تكون سنوية لمدة 30 يوم

أو دورية كل 6 شهور اجازة ( اسبوعين )

أو كل 3 شهور اجازة ( اسبوع ).

حسب التفاهم و الرضا.

ورغم نبائل المقصد وحسن نية بما ننادي به ، إلا أن فقه الحياة الزوجية يقتضي التفريق بين “الالتزام القانوني”

و “التفاهم العاطفي”

“بنوداً وشروطاً رسمية” في عقود النكاح (كإجازة سنوية أو دورية مدفوعة التكاليف للزوجة). ورغم نبائل المقصد وحسن نية صاحبها، إلا أن فقه الحياة الزوجية يقتضي التفريق بين “الالتزام القانوني” و”التفاهم العاطفي”:

– الروعة في العفوية: إن أجمل ما في هدايا الحب والتسهيل على الشريك أن تأتي بطيب خاطر ومبادرة قائمة على المودة والرحمة، لا بإلزام تعاقدي يشعر فيه الزوج وكأنه يؤدي “واجباً وظيفياً”.

– مراعاة تقلبات الظروف:

الحياة تتغير؛ فقد تمر بالأسر أوقات تضيق فيها الماديات أو تفرض فيها الظروف الصحية والعملية أحكاماً خاصة. والتفاهم المرن بين الزوجين يتيح التكيف مع هذه الظروف دون حرج أو نزاع.

وقد أوصى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بهذه المرونة قائلاً:

«لا يَكُنْ حُبُّكَ كَلَفاً، وَلا بُغْضُكَ تَلَفاً»

المقصود به الاقتصاد والاعتدال والتوازن في إدارة العلاقات دون إثقال كاهل الشريك بالطلبات والشرطية الرسمية.

وتؤكد السنة النبوية المطهرة على مبدأ الفضل والتساهل، حيث يقول النبي ﷺ:

«رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى» (رواه البخاري)

فإذا كانت السماحة واليسر مطلوبين في التعامل مع عامة الناس، فبيت الزوجية أولى بـ “الفضل” و”السماحة” من التصلب والشروط الجافة. يقول تعالى:

﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُوا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. سورة البقرة 237

4. كيف نجعل من هذه الفواصل نجاحاً أسرياً؟:

لكي تؤدي هذه المساحة أثرها الإيجابي المرجو، يجدر بالزوجين مراعاة الآتي:

1. أن تكون بالاتفاق والتراضي: ألا تكون فراراً من المشاكل أو بدافع الغضب و”الهجر السلبي”، بل بنية صادقة للاستجمام والتجديد.

2. استثمارها في بناء الذات: أن يستغل كل طرف هذا الوقت في العناية بنقاط قوته، وتطوير ذاته، والراحة النفسية والبدنية.

3. إبقاء جسور التواصل المفعم بالود: ألا يكون البُعد انقطاعاً كاملاً، بل فرصة لتبادل رسائل الشوق والاطمئنان.

ختاماً..

يا لؤلؤة البيت ويا قوامَهُ:

إن الحياة الزوجية الناجحة في عصرنا هذا تحتاج إلى قدرٍ عالٍ من “الذكاء العاطفي”، و”التجديد المستمر”، و”البُعد المحسوب بين الحين والآخر”.

هذا البُعد ليس جفاءً ولا تخلّياً، بل هو في حقيقته استثمارٌ في الاستقرار، ووقودٌ لإدامة المودة؛ وكما يقول المثل الشعبي الشهير: “البُعْد بَدْر، والقُرْب شَمْس”، أي إنّ البُعد المؤقت يجعل حضور الشريك كالبدر يُنتظر ويُستبشر به.

-نصيحتنا للمستجدين خاصة:

لا تخافوا من المساحات الخاصة، ولا تتوهموا أن الحب يتطلب الالتصاق الكامل طوال ال 24 ساعة؛ فلتكن مساحاتكم الخاصة فواصلَ ناعمة بين جملٍ جميلة، تجعل النص الكامل لحياتكم أكثر روعة، وانسجاماً، واستدامة.

Exit mobile version