بقلم الكاتب / عبد الله شراحيلي
ما أشدَّ قسوةَ الغربة حين لا تكون بين حدود الأوطان، بل بين حدود القلوب. فليس كلُّ غريبٍ من فارق أرضه، ولا كلُّ مقيمٍ وجد الأُنس في وطنه؛ فكم من إنسانٍ يعيش بين أهله، ويبتسم في وجوه أحبته، بينما في داخله صحراءُ وحشةٍ لا يقطعها صوتٌ، ولا يرويها اهتمام.
إن غربة القلوب هي ذلك الصمت الذي يتسلل خفيةً إلى العلاقات، حتى تصبح الأرواح متجاورةً، لكنها لا تتعانق، والعيون متقابلةً، لكنها لا تتحدث. هي أن تمدَّ يدك بالمحبة فلا تجد إلا فراغًا، وأن تطرق أبواب الود فلا يفتح لك إلا الصدى.
وما أقسى أن يتحول القريب إلى بعيد، وأن يصبح من كان يومًا ملاذًا آمنًا مجرد وجهٍ تعرف ملامحه، وتجهل دفءَ قلبه. فالعلاقات لا تموت فجأة، وإنما يقتلها الإهمال قطرةً بعد قطرة، ويذبلها الجفاء يومًا بعد يوم، حتى إذا التفت أصحابها وجدوا أن بين القلوب بحارًا من الصمت لا تجسرها الكلمات.
ولقد علَّمتنا الحياة أن الجسد قد يجاور الجسد، أما الأرواح فلا تتجاور إلا بالمودة. فالمحبة ليست كثرة اللقاء، وإنما صدق الشعور، وليست طول الحديث، وإنما عمق الاهتمام. وقد يبعد عنك إنسانٌ آلاف الأميال، فتشعر أنه أقرب إليك من نبض قلبك، وقد يجلس إلى جوارك من لا تجد بينك وبينه سوى برد المسافات.
إن أكثر الناس وجعًا ليس من خانه الزمن، بل من خانه من ظن أنهم وطنه الأخير. أولئك الذين كانوا إذا ضاقت الدنيا اتسعت بهم الحياة، ثم أصبحوا مع الأيام غرباء لا يعرفون لغة القلب، ولا يسمعون أنين الصمت.
ومع ذلك، فإن القلوب الكبيرة لا تحمل الضغينة، لأنها تعرف أن الإنسان قد تسرقه همومه، وتثقله ظروفه، لكنها لا تنسى أن الكلمة الطيبة حياة، وأن السؤال عن الأحبة صدقة، وأن الاحتواء قد يعيد إلى قلبٍ منكسر نبضه من جديد.
فاحذروا أن تزرعوا الغربة في قلوب من أحبكم بصدق، فإن بعض القلوب لا تعاتب، بل تصمت… ثم ترحل وهي ما زالت تنبض بالمحبة. وعندها لا ينفع الندم، لأن بعض الأبواب إذا أغلقتها الكرامة، لا تفتحها ألفُ اعتذار.
ويبقى الإنسان ثريًّا بمن يحفظون وده، لا بمن يملكون أسماؤه في هواتفهم. فالعمر أقصر من أن يُقضى في انتظار اهتمامٍ لا يأتي، والقلب أكرم من أن يبقى أسيرًا لجفاءٍ يتكرر.
فإذا أردت أن تعرف حقيقة مكانتك عند أحد، فلا تنظر إلى كثرة حديثه معك، بل انظر إلى حضوره عند غيابك، وإلى صدقه عند حاجتك، وإلى دفء قلبه حين يشتد بك البرد. فهناك فقط تسقط الأقنعة، وتتكلم القلوب بلغتها التي لا تعرف الكذب.
أسأل الله أن يجعل قلوبنا عامرةً بالمودة والرحمة، وأن يبعد عنها وحشة الجفاء، وأن يديم بين الأحبة صفاءً لا تعكره الأيام.

