بقلم / سلافة سمباوه
هناك نظراتٌ لا تحتاج كلامًا لتُفهم. صوتٌ يتغيّر نبرته حين تُذكر أمامه، وابتسامةٌ لا تصل إلى العينين، وأسلوبٌ في التعامل يحمل بردًا لا تفسير له. هذه ليست أوهامًا، بل هي لغة النفس البشرية حين تعجز عن إخفاء ما بداخلها. فالحسد، مهما حاول صاحبه تجميله بالكياسة، يترك أثره في نبرة الصوت، وفي تعبيرات الوجه، وفي تلك المسافة الباردة التي يضعها الحاسد بينه وبين من يحسده.
والمفارقة الكبرى أن أكثر من يحسدونك هم أبعد الناس عنك، من لا تربطك بهم مصلحة ولا تنافس مباشر ولا ضرر واقع. فالحسد لا يحتاج سببًا منطقيًا، لأنه ليس ردّ فعل على أذى وقع، بل هو انعكاس لفراغٍ داخلي يرى في نجاحك مرآة تفضح نقصه. يقول نيتشه إن الإنسان الضعيف لا يقوى على مواجهة عظمة الآخرين، فيلجأ إلى ما أسماه “أخلاق العبيد”، حيث يُحوّل عجزه عن الارتقاء إلى رغبة في هدم من ارتقى، بدل أن يسعى هو للصعود.
وليس الحسد شعورًا عابرًا، بل بنية دفاعية يلجأ إليها من يشعر بالتهديد الوجودي أمام تفوق غيره. حين يرى الحاسد أن هناك من ينجح دون أن يستأذنه، ودون أن يحتاج تصفيقه، يشعر بأن قيمته الذاتية مهددة، فيتحول هذا التهديد إلى غلٍّ يبحث عن منفذ: كيدٌ خفي، كلامٌ ملتوٍ، أو حتى محاولات مبطّنة لإعاقة الطريق. وهذا بالضبط ما وصفه المنفلوطي حين تحدث عن القلوب المريضة التي “تُعذبها سعادة غيرها”، فتُصبح رؤية الفرح عند الآخر عبئًا لا تحتمله.
وتمتد جذور هذا كله، كما في كثير من الاضطرابات النفسية، إلى الطفولة. الطفل الذي كبر وهو يُقارَن دائمًا بغيره، الذي شعر أن حبّ من حوله مشروط بتفوقه لا بذاته، يكبر وقد ترسّخ في لاوعيه أن قيمة الآخرين تهديد لقيمته هو. فيصبح، من دون أن يعي، يقيس نفسه بمقياس واحد: أن يكون الأفضل دائمًا، وأي تفوقٍ من حوله يُقرأ في عقله الباطن كخسارة شخصية، حتى لو لم يخصه الأمر من قريب أو بعيد.
وتنتشر هذه الظاهرة في بيئاتٍ تُكافئ المقارنة أكثر مما تُكافئ التفرد، بيئاتٍ تُربّي أبناءها على “الفوز” لا على “النمو”، فينشأ جيل يرى في نجاح غيره خصمًا من رصيده، بدل أن يراه إلهامًا يُضاف إليه. وهذا الفكر السطحي، كما يذكّرنا نجيب محفوظ في رواياته، غالبًا ما يسكن النفوس الفارغة التي لم تجد لنفسها مشروعًا حقيقيًا، فانشغلت بمراقبة مشاريع الآخرين.
كيف نكشف هؤلاء؟ العلامة الأولى تناقضهم: مديحٌ ظاهري وتجنّبٌ باطني. العلامة الثانية فرحهم الخفي بأي عثرة تصيبك، رغم كلماتهم المواسية. العلامة الثالثة سعيهم الدائم للتقليل من إنجازك بذرائع هشة، أو نسبته إلى الحظ لا إلى الجهد. وهذه كلها، كما يقول كويلو، إشارات لا تحتاج مواجهة، بل تحتاج وعيًا يحميك من الانجرار إلى معاركهم الداخلية.
أما كيف يبقى الإنسان نظيفًا نفسيًا وسط كل هذا، فالجواب يبدأ من إدراك أن الحسد اعترافٌ صامت بقيمتك، لا انتقاصًا منها. فمن يُحسد لم يُصنع من عدم، ومن يُستهدف بالكيد إنما استُهدف لأنه امتلك ما يستحق أن يُحسد عليه. والعقل الواعي لا ينشغل بالرد على من يكيد له، بل يواصل طريقه بصمتٍ يشبه صمت الأشجار حين تُقذف بالحجارة فلا تسقط أوراقها بل تُثمر أكثر.

