الكاتبة/وجنات صالح ولي.
هناك نوع خفي من البشر لا يعيش حياته كاملة، بل يكتبها كمسودة، يؤجل قراراته، يؤجل مشاعره، يؤجل حتى فرحته، وكأن هناك لحظة مثالية قادمة سيضغط فيها زر “النشر”، فتستقيم حياته دفعة واحدة وتكتمل فصولها، لكن الحقيقة أبسط وأقسى، لا أحد ينشر حياتك سواك، نحن نعيش بعقلية الانتظار، ننتظر الوقت المناسب، الشخص المناسب، الفرصة المناسبة، النسخة الأفضل من أنفسنا.
ثم نكتشف أن “المناسب” لم يكن سوى وهم مؤجل، وأن سنواتنا مضت ونحن نحسن التأجيل لا الحياة، وهنا السؤال الذي لا مفر منه: كم حلمًا مات وهو في وضع المسودة؟ المفارقة أن الإنسان لا يخاف الفشل بقدر ما يخاف أن يظهر ناقصًا، يريد أن يكون كاملًا قبل أن يبدأ، ناضجًا قبل أن يخطئ، قويًا قبل أن يتعلم، وهذا شرط مستحيل، لأن الحياة لا تُعاش بهذه الطريقة، في عالم الأعمال يسمونه إطلاق النسخة الأولية، وفي الحياة نسميه شجاعة، أن تبدأ وأنت لا تعرف كل شيء، أن تتقدم رغم ارتباكك، أن تحب رغم خوفك، أن تخوض التجربة دون ضمانات، هذا ليس تهورًا بل قرار واعٍ بإدارة المخاطرة، الذين ينتظرون الكمال يبقون خارج المشهد، يراقبون الآخرين وهم يتعثرون ثم يتعلمون ثم يصلون.
بينما يظلون هم أنيقين لكن بعيدين عن التجربة، والحقيقة التي لا تُقال كثيرًا أن الحياة لا تكافئ الأكثر استعدادًا بل الأكثر جرأة على البدء، كل يوم تؤجله أنت لا تحسن حياتك بل تعيد كتابة نفس الجملة “ليس الآن”، لكن متى الآن؟ الآن ليس وقتًا بل قرار، فإما أن تعيش ككاتب يخاف النشر، أو كإنسان يخطئ ويتقدم، لأن الحياة لا تحفظ المسودات طويلًا.

