د. حسن الأمير
إن تاريخ الأمم ليس مجرد سجلات مرقومة أو حكايات تُروى في سمر العابرين بل هو النبع الأول الذي تولد منه الهوية والعمق الاستراتيجي الذي تتشكل في رحابه ثقافة الشعوب وصمودها.
وعندما نلتفت للماضي فإننا لا نمارس ترفاً عاطفياً بل نستحضر وعياً حياً يدرك أن الحاضر شجرة وارفة الظلال ما كان لها أن تطاول السماء وتواجه العواصف لولا جذورها الضاربة في أعماق الأرض وأصالة التاريخ.
وفي تفاصيل موروثنا يتجلى جوهر الإنسان فالأصالة ليست قالباً جامداً بل هي روح تتدفق في العمارة التي تحكي قصة الصمود وفي الفنون الشعبية التي تنبض بالقيم وفي العادات التي توارثتها الأجيال كأمانة غالية.
إن هذا الموروث هو البصمة الوراثية للحضارة وهو الذي يمنحنا طابعاً فريداً ومهابة بين الأمم مما يجعل من الحفاظ عليه واجباً وطعماً حقيقياً للسيادة الثقافية.
وفي قلب هذه الهوية يقف الأدب حارساً أميناً على الذاكرة الجماعية ولساناً فصيحاً يعبّر عن طموح الأمة وآلامها.
فالقصيدة والخطبة والقصة والحكاية الشعبية كلها أوعية حفظت قيمنا الصامتة وحولتها إلى بيان ساحر يُتلى على مسامع الزمان من معلقات الفخر وشيم الكرم الممتدة في صحارينا إلى إبداعاتنا المعاصرة يظل القلم هو الجسر المعرفي الذي يربط الأصالة بآفاق الحداثة والتطلع.
إن اعتزازنا بهويتنا وثقافتنا في هذا العصر المتسارع ليس انغلاقاً على الذات بل هو الوقوف على أرض صلبة تتيح لنا الانفتاح على العالم دون أن تطمس الرياح ملامحنا الأصيلة.
نحن نحمل تراثنا بأيدينا كراية فخر نطور أدواتنا نبني مستقبلنا لكننا لا ننسى أبداً من أين بدأنا لأن الأمة التي تفرط في موروثها تفقد بوصلة سيرها والأمة التي تحرس أدبها وتاريخها تظل حية في ضمير الوجود.
ويظل هذا الهطول الثقافي أمانة تسلمها يد جيل إلى جيل لتبقى منارة الهوية مشتعلة في وجه أعاصير الحداثة والنسيان.
إن التاريخ والأدب والتراث ليسوا مجرد أطلال نبكيها بل هم دماء تجري في عروق الحاضر وبوصلة ترشد خطانا نحو غد عظيم.
فبقدر تمسكنا بأصالة الموروث نرتفع في سماء المجد ونرسخ في ضمير الكون أمة حية تملك من ماضيها قوة البدء ومن ثقافتها سر البقاء والخلود.
وأمة لم تصن للأمس ثروته … تمضي هباء ولا يبقى لها أثر
أدب هو الروح في أجساد أمتنا … والتبر ما صاغه التاريخ والسير
نمشي إلى الغد والموروث رايتنا … والمجد يركع للأمجاد والبشر

