بقلم: أحمد علي بكري
لم تعد قصة الاقتصاد السعودي بعد إطلاق رؤية 2030 مجرد قصة نفط وأسعار خام، بل أصبحت مشروعاً واسعاً لإعادة تشكيل الاقتصاد وتنويع مصادر النمو وبناء قطاعات جديدة في الصناعة والتعدين والسياحة والخدمات اللوجستية والتقنية والذكاء الاصطناعي والاستثمار. ومع دخول رؤية 2030 مرحلتها الأخيرة، يبرز سؤال طموح: هل تستطيع المملكة الانتقال من اقتصاد يبلغ نحو 1.3 تريليون دولار إلى اقتصاد ينافس على المراكز الخمسة الأولى عالمياً؟ تشير أحدث تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الناتج المحلي السعودي بلغ نحو 1.277 تريليون دولار في 2025، ويتوقع أن يصل إلى نحو 1.389 تريليون دولار في 2026، ونحو 1.65 تريليون دولار في 2030. وتضع هذه الأرقام المملكة في المرتبة التاسعة عشرة تقريباً عالمياً من حيث الناتج المحلي الاسمي، ما يعني أن الوصول إلى المركز الخامس لا يزال بعيداً، لكنه ليس مستحيلاً على المدى الطويل إذا استمرت المملكة في تحقيق نمو يفوق الاقتصادات المنافسة. وللمقارنة، يبلغ الاقتصاد الألماني نحو 5.45 تريليون دولار في 2026، والياباني نحو 4.4 تريليون دولار، والهندي نحو 4.15 تريليون دولار وفق تقديرات صندوق النقد الدولي. وتكشف هذه الفجوة أن السعودية تحتاج إلى مضاعفة اقتصادها عدة مرات حتى تقترب من أحجام الاقتصادات التي تنافسها، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار أن ألمانيا واليابان والهند ستواصل النمو هي الأخرى. وتمثل الهند التحدي الأكبر من حيث سرعة النمو، إذ تشير تقديرات صندوق النقد إلى نمو حقيقي يقارب 6.5% في 2026، بينما تواجه ألمانيا واليابان معدلات نمو أقل وتحديات ديموغرافية، وهو ما يمنح السعودية فرصة لتقليص الفجوة إذا حافظت على نمو مرتفع وإنتاجية متزايدة لعقدين متواصلين. واللافت أن حجم الاقتصاد السعودي ارتفع من نحو 693 مليار دولار في 2016 إلى أكثر من 1.25 تريليون دولار في 2024، ما يعكس اتساعاً كبيراً في حجم الاقتصاد خلال سنوات قليلة، وإن كانت المقارنات الاسمية تتأثر بسعر الصرف والتضخم وأسعار النفط. والأهم من حجم الناتج هو التحول في تركيبته؛ فقد أصبح الاقتصاد غير النفطي يمثل نحو 55% من الناتج المحلي في 2025، فيما تجاوزت الصادرات غير النفطية 622 مليار ريال، وهو ما يؤكد أن التنويع الاقتصادي بدأ يتحول إلى واقع ملموس. لكن التحدي المقبل يتمثل في تحويل هذا النمو غير النفطي إلى إنتاج وصادرات وشركات قادرة على المنافسة العالمية، وليس مجرد زيادة النشاط المحلي. ويأتي التعدين في مقدمة القطاعات القادرة على تغيير المعادلة، فالمملكة تمتلك الذهب والفوسفات والبوكسيت والنحاس والزنك وغيرها، والقيمة الكبرى لا تكمن في استخراجها فقط، بل في تحويلها إلى صناعات ومعادن معالجة ومنتجات ذات قيمة مضافة. كما تمثل الصناعة الاختبار الأهم لطموح المملكة، إذ لا يمكن لأي اقتصاد أن يدخل قائمة القوى الاقتصادية الكبرى دون قاعدة صناعية وشركات عالمية وسلاسل إمداد وتصدير قوية. وتمتلك السعودية قاعدة مهمة في الطاقة والبتروكيماويات، لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى التوسع في الصناعات الدوائية والغذائية والدفاعية والتقنية والمعدات والطاقة الجديدة. وفي الوقت نفسه يفتح الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي فرصة استراتيجية، بفضل الطاقة ورأس المال والبنية الرقمية والموقع الجغرافي، لكن النجاح لن يتحقق بمجرد إنشاء مراكز بيانات، وإنما بإنتاج البرمجيات والخدمات والملكية الفكرية وبناء شركات سعودية قادرة على التوسع عالمياً. وتأتي السياحة والخدمات اللوجستية كرافعتين إضافيتين؛ فالمملكة تمتلك المقومات الدينية والتاريخية والطبيعية والساحلية، كما تقع بين آسيا وأوروبا وأفريقيا وتطل على البحر الأحمر والخليج العربي، ما يمنحها فرصة للتحول إلى مركز إقليمي وعالمي للنقل وإعادة التصدير والخدمات اللوجستية. ويلعب صندوق الاستثمارات العامة دوراً محورياً في تمويل قطاعات جديدة وبناء شركات ومشاريع في مجالات متعددة، لكن نجاح هذه الاستثمارات سيقاس مستقبلاً بقدرتها على تحقيق الأرباح والعوائد والتصدير، وليس بحجم الإنفاق وحده. وتبقى أمام التحول تحديات مهمة، أبرزها تقلب أسعار النفط، وارتفاع تكلفة تمويل المشاريع، والحاجة إلى رفع مشاركة القطاع الخاص، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية النوعية، وتطوير رأس المال البشري والإنتاجية. فالمملكة لا تستطيع أن تعتمد إلى الأبد على الإنفاق الحكومي بوصفه محركاً للنمو، بل يجب أن تتحول المشاريع الحالية إلى شركات وقطاعات منتجة قادرة على النمو الذاتي. وبالنسبة إلى 2030، فإن توقع وصول الناتج المحلي إلى نحو 1.65 تريليون دولار يمثل مساراً قريباً من توقعات صندوق النقد الحالية، بينما يمكن اعتبار نطاق 1.6–1.8 تريليون دولار سيناريو تحليلياً واقعياً، والوصول إلى نحو تريليوني دولار سيناريو أكثر طموحاً. أما 2040، فإذا نما الاقتصاد الاسمي بمعدل 5% سنوياً بعد 2030 فقد يصل إلى نحو 2.7 تريليون دولار، وعند 6% يقترب من 3 تريليونات دولار، وعند 7% يتجاوز 3.2 تريليون دولار. وهذه الحسابات ليست أهدافاً رسمية، بل سيناريوهات تحليلية مبنية على نقطة انطلاق 2030. ومع ذلك، فإن الوصول إلى 3 تريليونات دولار في 2040 لا يضمن المركز الخامس، لأن الاقتصادات المنافسة ستواصل النمو أيضاً، وقد يكون حجم الاقتصاد الخامس عالمياً حينها أكبر بكثير. لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست مع رقم ثابت، وإنما مع سرعة نمو الاقتصادات المنافسة. وإذا نجحت السعودية في الحفاظ على نمو حقيقي قوي، ورفع إنتاجية الفرد، وزيادة الصادرات غير النفطية، وتحويل التعدين إلى صناعة، والتقنية إلى ابتكار، والاستثمار إلى إنتاج، والمشاريع العملاقة إلى شركات مربحة، فإنها تستطيع تقليص الفجوة مع الاقتصادات الكبرى بصورة ملموسة. والخلاصة أن القول إن السعودية ستصبح خامس أكبر اقتصاد في العالم بحلول 2030 لا تدعمه الأرقام الحالية، لكن اعتبارها مرشحة لمنافسة المراكز الاقتصادية الكبرى خلال العقود المقبلة ليس أمراً مستبعداً. وقد يكون العقد بين 2030 و2040 هو المرحلة الحاسمة التي تظهر فيها نتائج الاستثمارات الحالية في صورة مصانع وشركات وصادرات وتقنيات ومناجم وموانئ وسياحة وخدمات مالية. وعندها لن يكون السؤال فقط: هل تصبح السعودية خامس أكبر اقتصاد في العالم؟ بل إلى أي مدى يمكنها أن تتقدم في قائمة القوى الاقتصادية العالمية؟ فالمركز الخامس ليس نتيجة تلقائية لارتفاع أسعار النفط أو الإنفاق الحكومي، وإنما ثمرة لنمو طويل الأجل يقوم على الإنتاجية والصناعة والتقنية والاستثمار والموارد البشرية وتنويع مصادر الدخل.
المصادر: صندوق النقد الدولي، قاعدة بيانات آفاق الاقتصاد العالمي؛ وزارة المالية السعودية؛ الهيئة العامة للإحصاء؛ وتقارير رؤية السعودية 2030.

