بقلم: عبدالله شراحيلي
ليس العمر هو ما يشيّخنا دائمًا، ولا السنوات وحدها هي التي تترك تجاعيدها على أرواحنا.
ثمة أشياء لا تُرى، لكنها تفعل في القلب ما تفعله الأعوام في الوجه؛ خيبةٌ تأتي من حيث وثقنا، وفقدٌ يسرق من الروح جزءًا لا يعود، وانتظارٌ طويل يجعل الإنسان يتعب من الأمل قبل أن يصل إليه.
لهذا قد تلتقي بإنسانٍ لم يتجاوز عمره الأربعين، فتشعر أنك أمام رجلٍ حمل من الحياة ما يكفي لعمرٍ آخر. وقد تجلس إلى شابٍ في مقتبل العمر، فتجد في عينيه ذلك الصمت الذي لا تصنعه السنون، وإنما تصنعه التجارب.
فمتى تشيخ القلوب؟
تشيخ حين تعطي كثيرًا ولا تجد من يقدّر العطاء.
حين تفتح أبوابها لمن ظنته مأمنًا، فيدخل منها الألم.
حين تصبح كلمة «سأبقى» مجرد وعدٍ عابر، ويصبح الوفاء عملةً نادرة.
تشيخ القلوب حين يعتاد الإنسان الفقد، لا لأنه أصبح أقوى، بل لأنه لم يعد يملك طاقةً جديدة للانكسار.
وحين يتكرر الخذلان، يبدأ القلب في بناء أسواره بصمت. لا يعود يسأل كثيرًا، ولا ينتظر كثيرًا، ولا يفرح بسهولة. يصبح أكثر حذرًا، وأقل اندفاعًا، وأكثر ميلًا إلى الصمت.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة:
بعض القلوب لا تتغير لأنها لم تعد تحب، بل لأنها أحبت أكثر مما ينبغي.
نحن لا نكبر فقط حين تزداد أعمارنا، بل حين تضطرنا الحياة إلى دفن أشياء جميلة في داخلنا.
ندفن أحلامًا لم تكتمل، وأشخاصًا لم يعودوا معنا، ونسخًا قديمة من أنفسنا كانت تضحك من القلب، وتثق بلا حساب، وتمنح دون أن تسأل: ماذا سأحصل في المقابل؟
ثم نمضي…
نبدو أمام الناس بخير، نبتسم، نشاركهم أحاديثهم، ونؤدي أدوارنا اليومية بإتقان، بينما في أعماقنا قلبٌ صغير يحاول أن يفهم: لماذا تغيّر كل شيء؟
ولعل أقسى أنواع التعب أن تكون قادرًا على الحديث، لكنك لا تجد من يفهم ما وراء الكلمات.
لذلك يصبح الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، والعزلة أرحم من صحبةٍ تستنزف الروح، والابتعاد أكثر حكمة من محاولة إقناع شخصٍ لا يريد أن يفهمك.
لكن…
هل يعني شيخوخة القلب أن الحياة انتهت؟
أبدًا.
القلب الذي تعب يستطيع أن يتعافى، والقلب الذي انكسر يستطيع أن يحب من جديد، والقلب الذي أرهقته الطرقات يستطيع أن يجد طريقًا أكثر هدوءًا.
فليس المطلوب من الإنسان أن يعود كما كان؛ فبعض التجارب جاءت لتغيّرنا، لا لتكسرنا. وربما كان نضج القلب أجمل من براءته الأولى؛ لأن الإنسان بعد الألم يصبح أكثر معرفةً بقيمة الأشياء، وأكثر حرصًا على من يستحق، وأكثر قدرةً على التمييز بين من يحب حضوره، ومن يحب وجوده في حياته.
ولعل أجمل ما نتعلمه مع مرور الأيام أن ليس كل رحيل خسارة، وليس كل بقاء مكسبًا، وليس كل صمت جفاء، وليس كل ابتعاد قسوة.
هناك أشخاص يرحلون من حياتنا فيتركون فراغًا، وهناك أشخاص يرحلون فيتركون مكانًا للسلام.
وبين هذا وذاك، نتعلم أن نضع قلوبنا في المكان الذي يليق بها.
فإذا شعرت يومًا أن قلبك شاخ قبل أوانه، فلا تقسُ عليه.
ربما لم يَشِخْ…
ربما فقط تعب من حمل أشياء أكبر من قدرته، وصمت طويلًا حتى لا يؤلم أحدًا بما يؤلمه.
امنحه قليلًا من الرحمة، وقليلًا من الأمل، وكثيرًا من القرب من الله.
فالأرواح التي أرهقها البشر، يستطيع الله أن يمنحها من السكينة ما يجعلها تبدأ الحياة من جديد.
وفي النهاية، ليست المشكلة أن يشيخ القلب…
المشكلة أن يفقد القلب قدرته على الإيمان بأن بعد كل ليلٍ فجرًا، وبعد كل انكسارٍ جبرًا، وبعد كل وجعٍ حكايةً أجمل لم تُكتب بعد.

