بقلم: أحمد علي بكري
توقفتُ ذات مساء عند عبارات قرأتها على منصة فيسبوك، كانت قد وصلتني عبر رسالة خاصة من أحد الأصدقاء، ولم تكن في ظاهرها سوى كلمات تتحدث عن الكلمة الطيبة، لكنني حين قرأتها أكثر من مرة شعرت أن وراء بساطتها سؤالًا أكبر بكثير من مجرد الدعوة إلى انتقاء الألفاظ الجميلة. جاء فيها: «الكلمة الطيبة جوهرة ثمينة، تسحر العقول بحسن الأخلاق، وتفتح القلوب بالمودة. فإذا أردنا التأثير في الآخرين، فما علينا إلا أن نحلي ألسنتنا بطيب الكلام، وننثر في أرواحهم عبير المحبة بابتسامة صادقة أو كلمة رقيقة، فهي صدقة تُسعد القلب وترتقي بالروح». وحين بحثت عن قائل هذه العبارة وأصلها، لم أجد مصدرًا موثوقًا يثبت نسبتها إلى كاتب أو أديب أو مفكر بعينه، وإنما وجدت عبارات متقاربة في بعض المواقع والمنتديات القديمة، الأمر الذي يجعلني أميل إلى التعامل معها بوصفها عبارة متداولة مجهولة القائل، لا بوصفها نصًا موثقًا منسوبًا إلى شخصية محددة. وربما كانت هذه الملاحظة في حد ذاتها مدخلًا مناسبًا إلى موضوعنا؛ لأن بعض الكلمات تفقد أسماء أصحابها، لكنها لا تفقد قدرتها على الوصول إلى الناس، وكأن الكلمة حين تخرج من صاحبها قد تبدأ حياة أخرى لا تتوقف بالضرورة عند معرفة من قالها أول مرة.
ومن هنا بدأت أتأمل: لماذا تستطيع كلمات قليلة أن تستوقف إنسانًا، بينما تمر كلمات كثيرة من أمامه دون أن تحرك فيه شيئًا؟ ولماذا تبقى جملة واحدة في الذاكرة عشرات السنين، بينما ننسى صفحات كاملة قرأناها بالأمس؟ لعل السر في أن الكلمة ليست صوتًا فقط، وإنما معنى، والمعنى إذا وجد مكانه في النفس لا يعود مجرد لفظ عابر، بل يتحول إلى أثر. فالإنسان لا يعيش بالكلمات بوصفها أصواتًا تتردد في الهواء فحسب، وإنما يعيش أيضًا بالمعاني التي تحملها هذه الكلمات، وبالصور التي ترسمها في داخله، وبالآثار التي تتركها في ذاكرته ووجدانه. ولهذا فإن الحديث عن الكلمة الطيبة ليس حديثًا عن حسن اختيار الألفاظ وحسب، وإنما هو حديث عن فلسفة الإنسان في التعامل مع الإنسان، وعن مسؤوليته الأخلاقية تجاه ما يتركه وراءه من أثر.
الكلمة حين نطلق لها العنان دون تفكير قد لا تستغرق أكثر من لحظة، لكنها قد تمتلك عمرًا أطول من عمر قائلها. ينتهي الصوت في لحظة، لكن المعنى قد يبدأ حياته بعد انتهاء الصوت. كم من كلمة قيلت منذ سنوات وما زالت حاضرة في ذاكرة متلقيها، وكم من عبارة عابرة أعادت لإنسان ثقته بنفسه، وكم من جملة سببت جرحًا ظل ينزف بصمت في داخله، كلما واجه موقفًا مشابهًا أعادته الذاكرة إلى اللحظة الأولى التي سمع فيها تلك الكلمات. ولهذا يمكن القول إن الكلام لا ينتهي عندما ينتهي النطق؛ فالكلمة قد تتحول بعد خروجها من فم الإنسان إلى شيء يسكن في ذاكرة إنسان آخر.
ولعل القرآن الكريم يقدم لنا أعمق تصور لهذه الحقيقة حين يقول الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]. فالآية لا تجعل حسن القول امتيازًا تمنحه لمن نحب فقط، وإنما تجعل الخطاب عامًا: للناس. وفي هذه الكلمة القصيرة اتساع أخلاقي هائل؛ لأن الإنسان قد يكون حسن الكلام مع من يوافقه، لطيفًا مع من يحبه، رقيقًا مع من يحتاج إليه، ولكن الاختبار الحقيقي للأخلاق يظهر عندما يختلف مع الآخر، أو يغضب منه، أو يملك القدرة على إيذائه. ولذلك فإن أخلاق اللسان لا تظهر فقط في الكلمات التي نقولها حين تكون نفوسنا هادئة، بل تظهر بصورة أوضح في الكلمات التي نختارها عندما نكون غاضبين ونستطيع أن نجرح.
والكلمة في المنظور القرآني ليست شيئًا هامشيًا يذهب بانتهاء الصوت؛ فالقرآن يضع لها مسؤولية أخلاقية حين يقول سبحانه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]. الإنسان قد ينسى ما قاله، وقد يظن أن كلامه انتهى بمجرد خروجه، لكن القرآن يوقظه إلى معنى آخر: القول مسؤولية، والكلام محسوب، واللسان ليس منطقة معفاة من الحساب. إن الآية تنقل الكلام من دائرة العفوية المطلقة إلى دائرة المسؤولية؛ فليس كل ما يخطر في الذهن صالحًا لأن يتحول إلى صوت، وليس كل ما يمكن قوله ينبغي أن يقال.
ولهذا جاء الإسلام ليؤسس أدبًا عظيمًا في التعامل مع الكلمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» متفق عليه. تأملوا هذا الترتيب النبوي العجيب: خيرٌ أو صمت. لم يقل: تكلم دائمًا، ولم يجعل كثرة الحديث فضيلة، بل وضع أمام الإنسان خيارًا بالغ الحكمة؛ إن كان في الكلام خير فليقل، وإن لم يكن فيه خير فليصمت. وكأن الصمت هنا ليس عجزًا عن الكلام، وإنما قدرة على ضبط الكلام.
وهنا تظهر مفارقة عميقة في طبيعة الإنسان: قد يظن أن قدرته على الرد دليل قوة، بينما قد تكون قدرته على الصمت في الوقت المناسب أعظم دليل على قوة النفس. فليس القوي هو الذي يستطيع أن ينتصر في كل جدال، أو أن يملك آخر جملة في كل نقاش، وإنما القوي هو الذي يستطيع أن يملك نفسه حين يستطيع لسانه أن يؤذي. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» متفق عليه. ومن أعظم ميادين امتلاك النفس اللسان؛ لأن الغضب يريد أن يتكلم قبل أن يفكر، ويريد أن ينتقم قبل أن يتأمل العاقبة.
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نموذجًا فريدًا في صناعة الإنسان بالكلمة. لم يكن خطابه قائمًا على الإهانة أو التحقير أو كسر النفوس، حتى عندما يخطئ الإنسان. ومن أشهر المواقف الدالة على ذلك قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، فقام إليه بعض الصحابة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوه وأريقوا على بوله سجلًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» رواه البخاري. إن عظمة هذا الموقف لا تكمن فقط في معالجة خطأ عملي، وإنما في الطريقة التي عولج بها الخطأ؛ فلم يحول النبي صلى الله عليه وسلم المخطئ إلى عدو، ولم يجعل من الخطأ مناسبة لإذلال صاحبه، بل عالج المشكلة وحافظ على كرامة الإنسان في الوقت نفسه. وهذا درس بالغ العمق: تصحيح الخطأ لا يستلزم تحطيم صاحبه.
وفي موقف آخر، جاء شاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه الإذن في الزنا، فلم يقابله النبي صلى الله عليه وسلم بالصراخ أو الإهانة، بل فتح معه باب الحوار وسأله: «أترضاه لأمك؟» ثم ذكر له ابنته وأخته وعمته وخالته، حتى أخذ الفكرة من داخلها وأعاد الشاب إلى ميزان الفطرة والضمير. ثم دعا له. هنا تصبح الكلمة وسيلة للإصلاح لا أداة للإذلال، ويصبح الحوار طريقًا إلى تغيير الإنسان بدل دفعه إلى العناد. لم يكن الهدف أن ينتصر النبي صلى الله عليه وسلم على الشاب في مناظرة، وإنما أن ينتصر الخير داخل نفس الشاب على رغبته الخاطئة.
ومن هنا نفهم أن الكلمة الطيبة ليست أن تقول كلامًا جميلًا بلا معنى، ولا أن تجامل الناس على حساب الحق، ولا أن تخشى قول الحقيقة، وإنما أن تبحث عن الطريقة التي تجعل الحق يصل إلى القلب دون أن يتحول طريقه إلى إهانة للإنسان. ولهذا قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]. لاحظوا التعبير القرآني: بالتي هي أحسن؛ فحتى عندما يكون هناك جدال واختلاف، لا يُترك الإنسان بلا ميزان أخلاقي في طريقة كلامه.
وهذا يقودنا إلى حقيقة يغفل عنها كثيرون: الكلمة الطيبة لا تعني الضعف، كما أن الكلمة القاسية لا تعني القوة. تستطيع أن تكون شديدًا في الحق، ولكن عادلًا في لغتك. تستطيع أن تقول الحقيقة كاملة دون أن تضيف إليها شتيمة أو تحقيرًا أو تشهيرًا. فالحقيقة لا تحتاج إلى إساءة كي تصبح حقيقة، والبرهان لا يحتاج إلى إهانة الخصم كي يصبح برهانًا. بل إن اللجوء إلى الشتيمة كثيرًا ما يكشف عجز الحجة أكثر مما يكشف قوة صاحبها.
ومن هنا نفهم قوله تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53]. فاللغة مساحة للاختيار، وقد يكون أمام الإنسان أكثر من عبارة صحيحة، لكنه يستطيع أن يختار العبارة التي تحفظ الحق وتحفظ معها كرامة المخاطب. وهذا الاختيار هو جوهر الأخلاق؛ لأن الأخلاق ليست فقط في أن تقول ما هو صحيح، وإنما في أن تعرف كيف تقوله، ومتى تقوله، ولمن تقوله، وما الأثر الذي يمكن أن يتركه بعد أن تقوله.
إن الكلمة تستطيع أن تصنع مناخًا اجتماعيًا كاملًا. كلمة تؤجج الشك قد تتحول إلى خصومة، والخصومة قد تتحول إلى قطيعة، والقطيعة قد تتحول إلى عداوة طويلة. وفي المقابل، كلمة صادقة في الوقت المناسب قد تمنع خلافًا من أن يتضخم. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾. فالفساد بين الناس لا يحتاج دائمًا إلى أحداث ضخمة؛ قد تبدأ القطيعة من عبارة، وقد تبدأ المصالحة من عبارة أخرى.
وفي السنة النبوية تحذير شديد من خطورة الكلمة التي لا يلقي الإنسان لها بالًا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم» رواه البخاري، وفي المقابل قال صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا يرفعه الله بها درجات» رواه البخاري. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: الكلمة من حيث مادتها لا تزن شيئًا، لكنها من حيث أثرها الأخلاقي قد تكون عظيمة جدًا. الصوت لا وزن له في اليد، ولكن له وزن في ميزان الأعمال.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والكلمة الطيبة صدقة» متفق عليه. وهذا الحديث يوسع مفهوم العطاء توسعة عظيمة؛ فالإنسان قد لا يملك مالًا، لكنه يملك لسانًا، وقد لا يستطيع أن يغير حياة إنسان بأمر مادي، لكنه يستطيع أن يمنحه احترامًا، أو يخفف عنه، أو يذكره بخير، أو يفتح أمامه نافذة أمل. الكلمة الطيبة نوع من العطاء الذي لا يفقر صاحبه، بل قد يزيده غنى من الناحية الإنسانية والأخلاقية.
لكن ثمة معنى أعمق من مجرد قول الكلام الجميل: الكلمة الطيبة ليست مجرد لفظ، بل هي انعكاس لما يحمله الإنسان في داخله. فاللسان في كثير من الأحيان نافذة إلى القلب. وقد يستطيع الإنسان تزيين كلامه لبعض الوقت، لكن ما في داخله يظهر عند الغضب، وعند الخصومة، وعند الاختلاف، وعندما يشعر أنه أقوى من الطرف الآخر. ولذلك فإن تهذيب اللسان لا يبدأ من اللسان وحده، بل يبدأ من تهذيب النفس.
ومن هنا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» متفق عليه. وقدّم اللسان في الذكر قبل اليد؛ لأن الأذى ليس بالضرورة أن يكون فعلًا ماديًا. قد تجرح إنسانًا دون أن تلمسه، وقد تسلبه شيئًا من كرامته دون أن تأخذ منه مالًا، وقد تضعف ثقته بنفسه بكلمة واحدة. ولهذا فإن الأخلاق الحقيقية لا تتعلق فقط بما تفعله بالناس، وإنما كذلك بما تقوله عنهم ولهم.
وفي عصرنا أصبحت مسؤولية الكلمة أعظم؛ لأن الإنسان لم يعد يتحدث إلى شخص واحد في مجلس محدود، بل يستطيع أن يكتب جملة في ثوانٍ فتصل إلى آلاف أو ملايين. وأصبح المنشور والتعليق والفيديو امتدادًا للسان الإنسان، بل إن الكلمة المكتوبة قد تكون أشد بقاءً من الكلمة المنطوقة؛ لأنها قابلة لإعادة النشر والاقتباس والتداول. ولهذا فإن عبارة فكر قبل أن تتكلم تحتاج اليوم إلى إضافة أخرى: فكر قبل أن تكتب، وقبل أن تنشر، وقبل أن تضغط زر الإرسال.
ومن أخطر ما أصاب الخطاب المعاصر أن بعض الناس جعلوا القسوة دليلًا على الصراحة، والفظاظة دليلًا على الشجاعة، والشتيمة دليلًا على القوة، والسخرية دليلًا على الذكاء. والحقيقة أن الصراحة لا تعني الوقاحة، والشجاعة لا تعني الاعتداء، والذكاء لا يحتاج إلى إهانة الآخرين. تستطيع أن تكون صريحًا دون أن تكون فظًا، وقويًا دون أن تكون ظالمًا، ومختلفًا دون أن تكون عدائيًا.
وقد وصف الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. وهذه الآية تكشف حقيقة عميقة في القيادة والتأثير: الناس قد يطيعونك خوفًا، لكن القلوب لا تُفتح بالقوة. أما اللين الذي لا يتنازل عن الحق، والرحمة التي لا تلغي الحزم، وحسن الخطاب الذي لا يبيع المبادئ، فهي التي تصنع التأثير الحقيقي.
والإنسان حين يتأمل حياته سيجد أن أعظم ما يبقى من بعض الأشخاص ليس شكلهم ولا أصواتهم ولا أموالهم، وإنما الطريقة التي جعلوه يشعر بها تجاه نفسه. هناك إنسان تجلس معه فتخرج وأنت أكثر ثقة، وهناك آخر تجلس معه فتخرج وأنت تشك في نفسك. كلاهما ربما لم يعطك شيئًا ماديًا، لكن الأول أعطاك كلمة، والثاني أعطاك جرحًا. ولذلك فإن أثر الإنسان في الآخرين قد يكون أكبر بكثير من الأشياء التي يملكها.
إن الكلمة الطيبة في النهاية ليست زينة للسان، وإنما انضباط للعقل، ورحمة بالقلب، ومسؤولية أمام الله، وفن من فنون صناعة الأثر. وهي لا تعني أن نقول ما يريد الناس سماعه، بل أن نقول ما ينبغي أن يقال بالطريقة التي تليق بالإنسان. فقد تكون الحقيقة مؤلمة، لكن ليس من الضروري أن تكون مهينة، وقد يكون النقد ضروريًا، لكن ليس من الضروري أن يكون تحقيرًا، وقد يكون الاختلاف حتميًا، لكن ليس من الضروري أن يتحول إلى كراهية.
ولعل أعمق ما يمكن أن نتعلمه هو أن الإنسان لا يملك دائمًا التحكم في الطريقة التي يستقبل بها الآخرون كلامه، لكنه يملك التحكم في نيته وأسلوبه واختياره. ولذلك قبل أن تنطق اسأل نفسك: هل أريد أن أصلح أم أجرح؟ هل أريد أن أوضح أم أن أنتصر؟ هل أريد أن أقول الحقيقة أم أن أستعمل الحقيقة سلاحًا للانتقام؟ فالفارق بين النصيحة والتشهير قد يكون كلمة، والفارق بين النقد والإهانة قد يكون أسلوبًا، والفارق بين الشجاعة والعدوان قد يكون نية.
وفي النهاية، ستظل الكلمة واحدة من أعجب الأشياء التي منحها الله للإنسان: لا تُرى، ولا تُمسك باليد، ولا تُقاس بالميزان، لكنها قد تغير قلبًا، وتصلح علاقة، وتوقف خصومة، وتمنح إنسانًا أملًا، وقد تفعل العكس تمامًا. ولهذا فإن الكلمة الطيبة ليست مجرد عبارة جميلة نرددها، بل فلسفة في الحياة تقوم على أن نكون واعين بما نتركه في نفوس الآخرين. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: 24-25]. إنها صورة قرآنية تختصر فلسفة كاملة: الكلمة الطيبة قد تبدأ صغيرة، مثل بذرة لا يكاد يراها أحد، ثم تضرب جذورها في النفس، وتكبر فروعها في العلاقات، وتثمر بعد زمن ربما لا يشهده قائلها. ولذلك فليكن لكل واحد منا نصيب من هذه الشجرة؛ كلمة إذا قيلت لم تترك وراءها رمادًا، بل تركت أثرًا، وإذا غاب صاحبها بقي معناها، وإذا نسي الناس ملامحه بقيت في ذاكرتهم نبرة صوته وهو يقول لهم في اللحظة التي احتاجوا فيها إليها: أنت تستطيع، لا تيأس، أحسنت، بارك الله فيك، أو جزاك الله خيرًا. فربما لا نملك أن نغير العالم كله، لكننا نستطيع أن نغير عالم إنسان بكلمة، ومن يدري؟ لعل تلك الكلمة التي ظنناها صغيرة كانت عند الله كبيرة، وكانت في حياة إنسان بدايةً لشيء لم نعرف نحن أبدًا أننا كنا سببه.

