بقلم: أحمد علي بكري
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد ثورة تقنية تدور داخل مختبرات الشركات، بل تحول إلى ساحة صراع اقتصادي وسياسي واستراتيجي تعيد رسم موازين القوة في العالم. خلف كل نموذج جديد تقف مليارات الدولارات، ومراكز بيانات تستهلك كميات هائلة من الطاقة، ورقائق متقدمة أصبحت جزءًا من الأمن القومي، وحكومات تدرك أن الاعتماد على منصة أجنبية قد يتحول في لحظة إلى نقطة ضعف استراتيجية. ومن هنا يبرز السؤال الأكثر إثارة للقلق: هل نحن أمام أعظم ثورة تقنية منذ الإنترنت، أم أمام فقاعة مالية ضخمة تضخمت فيها التقييمات والاستثمارات أسرع من قدرة الشركات على تحقيق الأرباح؟ ربما تكون الإجابة أن الأمرين صحيحان في الوقت نفسه. فالذكاء الاصطناعي ثورة حقيقية تتوسع تطبيقاتها في البرمجة والبحث والصناعة والطب والخدمات المالية، لكن ذلك لا يعني أن كل شركة ترفع شعار الذكاء الاصطناعي تستحق مليارات الدولارات، أو أن كل مركز بيانات جديد سيولد عوائد توازي الأموال التي تُنفق عليه. وقد تنجح التكنولوجيا نفسها بينما تفشل شركات بنت قيمتها على توقعات مبالغ فيها. وتكمن إحدى أبرز علامات التحول في الأزمة التي شهدتها شركة Anthropic في يونيو 2026، عندما أصدرت الحكومة الأمريكية توجيهًا يتعلق بتعليق الوصول إلى نماذجها المتقدمة بالنسبة إلى المواطنين الأجانب لأسباب مرتبطة بالأمن القومي، قبل رفع القيود لاحقًا وإعادة إتاحة النماذج عالميًا. ورغم أن القرار كان مؤقتًا، فإنه كشف حقيقة خطيرة: الخدمة الرقمية التي تبدو عابرة للحدود يمكن أن تصبح رهينة لقرار سياسي أو قانوني يصدر في دولة أخرى. ومن هنا تبرز أهمية «السيادة الرقمية»، التي لم تعد شعارًا نظريًا، بل أصبحت قضية اقتصادية وأمنية. أوروبا، على سبيل المثال، تتحرك لتعزيز قدراتها في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وأشباه الموصلات والبرمجيات مفتوحة المصدر، في محاولة لتقليل الاعتماد على الخارج. فالمشكلة ليست في التعاون مع الشركات الأجنبية، وإنما في أن تصبح المؤسسات والدول عاجزة عن مواصلة أعمالها إذا تغيرت القوانين أو قررت جهة خارجية قطع الخدمة. أما الحديث عن فقاعة الذكاء الاصطناعي، فيعيد إلى الأذهان أزمة شركات الإنترنت عام 2000، لكن التشبيه يحتاج إلى حذر؛ فالإنترنت لم يكن فقاعة، وإنما كانت الفقاعة في تقييمات شركات لم تستطع تحقيق الأرباح التي وعدت بها. وقد يتكرر السيناريو مع الذكاء الاصطناعي: قد تنهار شركات وتتبخر تقييمات ضخمة، لكن التكنولوجيا نفسها قد تخرج من الأزمة أكثر قوة. المشكلة الاقتصادية الأكبر تكمن في تكلفة تشغيل النماذج. فالبرمجيات التقليدية يمكن بيعها لملايين المستخدمين بتكلفة هامشية منخفضة نسبيًا، بينما يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى حوسبة وطاقة وذاكرة وشبكات ومراكز بيانات مع كل عملية استخدام. ولذلك فإن زيادة المستخدمين لا تعني بالضرورة زيادة الأرباح بالسرعة نفسها. وإذا انخفضت أسعار خدمات الذكاء الاصطناعي بسبب المنافسة، بينما بقيت تكلفة الحوسبة والطاقة مرتفعة، فقد تجد الشركات نفسها أمام معادلة صعبة: استخدام هائل وأرباح أقل من المتوقع. ولهذا أصبحت الكفاءة أهم من الحجم؛ فالنموذج الذي يقدم أداءً قريبًا من نموذج ضخم لكنه يستهلك جزءًا صغيرًا من الموارد قد يكون أكثر قيمة تجاريًا. وخلف هذه المعركة توجد حرب أخرى على الرقائق ومراكز البيانات والطاقة. فالمنافسة لا تدور فقط حول من يملك الخوارزمية الأفضل، بل حول من يستطيع تصنيع أو الوصول إلى الرقائق المتقدمة، وتأمين الكهرباء، وبناء مراكز البيانات، وتوفير أنظمة التبريد والاتصالات. ولذلك تحولت طفرة الذكاء الاصطناعي إلى طفرة في الصناعة والطاقة والبنية التحتية ورأس المال. وفي المقابل، دخلت الصين المنافسة من زاوية مختلفة، عبر التركيز على الكفاءة، وتقنيات التقطير، والنماذج مفتوحة الأوزان، ومحاولة تحقيق أداء مرتفع بأقل قدر ممكن من الحوسبة. وهنا تتغير قواعد اللعبة: لم يعد السؤال فقط «من يملك النموذج الأكبر؟»، بل «من يستطيع تقديم أفضل أداء بأقل تكلفة؟». وإذا أصبحت النماذج الأصغر والأكثر كفاءة قادرة على تنفيذ معظم المهام المطلوبة، فإن احتكار النماذج العملاقة قد يواجه تحديًا اقتصاديًا كبيرًا. كما أن انتشار النماذج مفتوحة الأوزان يمنح الشركات والدول فرصة أكبر لتشغيل الذكاء الاصطناعي محليًا وتقليل الاعتماد على مزود خارجي، وهو ما يجعلها جزءًا من معركة السيادة الرقمية. وتبرز البيانات كجبهة أخرى للصراع؛ فالشركات لا تريد أن تصبح معلوماتها الداخلية، وعقودها، وبيانات عملائها، وبرمجياتها، رهينة لمنصات خارجية. لذلك يتزايد الاهتمام بإقامة البيانات داخل مناطق محددة وتشغيل النماذج داخل البنية الخاصة بالمؤسسة. وفي عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد السؤال «أين يوجد الخادم؟» سؤالًا تقنيًا فقط، بل أصبح سؤالًا سياسيًا وقانونيًا: أين توجد بياناتي؟ ومن يستطيع الوصول إليها؟ وماذا يحدث إذا تغيرت القوانين؟ أما الصراع الأمريكي الصيني، فهو يتجاوز النماذج إلى الرقائق والطاقة والبيانات وسلاسل الإمداد. فالقيود على التكنولوجيا قد تؤخر المنافس، لكنها في الوقت نفسه قد تدفعه إلى تطوير بدائل محلية بصورة أسرع، لتتحول الحرب التجارية إلى سباق تقني طويل الأمد. وفي هذه البيئة تمتلك السعودية ودول الخليج فرصة استراتيجية مهمة؛ فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى الطاقة ومراكز البيانات والاستثمار والبنية التحتية والاتصالات والاستقرار. لكن امتلاك مراكز البيانات وحده لا يكفي، فالقيمة الحقيقية تكمن في بناء الكفاءات، وتطوير النماذج العربية، والاستثمار في الحوسبة السحابية والرقائق والأمن السيبراني والبحث والتطوير، بحيث تنتقل المنطقة من مجرد مستهلك للتكنولوجيا إلى مالك لجزء من منظومتها. وفي النهاية، فإن انفجار فقاعة مالية محتملة لن يعني انهيار الذكاء الاصطناعي؛ فقد تنهار أسهم شركات وتفشل مشاريع، بينما تستمر التكنولوجيا في التوسع. وربما يكون ذلك جزءًا طبيعيًا من انتقال السوق من مرحلة الهوس إلى مرحلة النضج. السؤال الحقيقي ليس: هل سيفشل الذكاء الاصطناعي؟ بل: من سيبقى بعد أن ينتهي سباق التقييمات؟ ومن سيملك الرقائق والبيانات والطاقة ومراكز الحوسبة؟ ومن يستطيع تحويل الذكاء الاصطناعي من وعد استثماري ضخم إلى اقتصاد حقيقي مربح ومستدام؟ عندما تنتهي مرحلة الهوس وتبدأ مرحلة الاقتصاد الحقيقي، قد لا تكون المعركة على «أذكى نموذج» فقط، وإنما على امتلاك البنية التي تجعل هذا النموذج ممكنًا. ومن يملك الرقائق والبيانات والطاقة والحوسبة، قد يملك جزءًا كبيرًا من مستقبل الاقتصاد العالمي.

