كاتبة راي .. ايمان المغربي
المكتبة ليست رفوف تصطف عليها الكتب،بل ميناء تلتقي فيه سفن كثيرة، لكل سفينة وجهتها،ولكل كتاب رحلة حملت فكرة وتجربة ورؤية انسان اراد لكلماته ان تصل الى قارئها.
وحين نفتح كتاب،يبدا الابحار قد يكون الشاطئ الذي ننطلق منه سؤالا صغيرا،ثم تتسع المسافة كلما قادتنا الصفحات الى معرفة لم نكن نعرف اننا نحتاج اليها.فالكتاب لا يرسم لنا الطريق، لكنه يمنحنا ما يساعدنا على اختيار اتجاهنا في بحر واس من الافكار.
والقارئ مسافر يختار سفينته بعناية.هناك كتاب نحتاجه في وقت معين، واخر نعود اليه بعد سنوات فنجد في صفحاته معنى لم ننتبه اليه من قبل.فالكتاب يبقى كما هو، لكن القارئ يعود اليه بعين مختلفة، محملا بتجارب غيرت طريقته في الفهم.
وفي هذا البحر لا تسير القراءة على موج واحد.لها مد وجزر.ايام نجد فيها انفسنا مقبلين على الكتب بشغف،وايام نحتاج فيها الى التوقف عند فكرة حتى نمنحها حقها من الفهم.وما نحمله معنا من كل ابحار ليس عدد الصفحات التي قراناها،بل ما اضافته تلك الصفحات الى رؤيتنا.
اما الكاتب فهو من يجهز سفينته قبل الابحار.يجمع تجربته، ويرتب فكرته،وينتقي كلماته،ثم يرسلها الى قارئ قد لا يعرفه.وقد تصل الفكرة الى انسان في مكان بعيد وزمن مختلف،فتفتح امامه طريقا لم يكن يراه.وهنا تصبح الكتابة صلة بين تجربتين لم تلتقيا في المكان،لكنهما التقتا في المعنى.
والكتاب الجيد لا يكتفي بمنح الاجابة،بل قد يكون موجة تحرك سؤالا كان ينتظر من يوقظه. والسؤال الذي يدفعنا الى البحث والمقارنة واعادة النظر قد يكون اكثر قيمة من اجابة تحفظها الذاكرة ثم تمضي.
وهنا ياتي المرفا في رحلة المعرفة. نصل اليه حين تتضح فكرة بعد بحث، او نفهم موقفا كان غامضا،او نكتشف ان زاوية النظر التي اعتدناها ليست الوحيدة.ثم نعود الى البحر من جديد،ومعنا رؤية اوسع واستعداد لسؤال جديد.
اما البوصلة فهي الوعي.فالمعرفة وحدها قد تمنحنا اتجاهات كثيرة، لكن الوعي يساعدنا على معرفة الوجهة التي تستحق ان نسير نحوها. والقراءة الواعية لا تجعلنا نعرف اكثر فحسب،بل تجعل اختياراتنا اكثر بصيرة.
لهذا تحمل المكتبة ذاكرة الشغف، من اول كتاب اشعل الفضول الى كتاب غير طريقة التفكير،ومن صفحة قادت الى سؤال الى فكرة قادت الى قرار.وبين هذه الرحلات تتغير الامواج،وتتبدل الوجهة، ويعود القارئ الى الميناء وفي جعبته شيء جديد يضيفه الى فهمه للحياة.
فالمكتبة ليست مكانا نضع فيه الكتب فقط،بل ميناء تحفظ فيه رحلات العقول. وكل سفينة تخرج منها تحمل معها قارئا مختلفا عما كان عليه عند البداية.وحين تكون البوصلة هي الوعي،لا تصبح القراءة جمعا للكتب،بل ابحارا يوسع النظر ويمنح الانسان قدرة اكبر على اختيار طريقة

