عبدالله شراحيلي ابو يحى
كلُّ شيءٍ يحترق بالحرارة… إلا المشاعر، فإنها تحترق بالبرودة.
هناك أشياء في الحياة لا تحتاج إلى نارٍ كي تحترق، يكفيها أن تُترك طويلًا في برد التجاهل، وأن تُسقى بالصمت بدل الكلمات، وأن تنتظر يدًا حانية فلا تجدها.
المشاعر لا تموت غالبًا بسبب موقفٍ واحد، بل تموت بالتقسيط.
تموت حين يصبح السؤال عنك عادةً مؤجلة، وحين تتحول الرسائل التي كانت تُكتب بشوق إلى كلماتٍ باردة لا روح فيها، وحين يصبح حضورك عاديًا بعد أن كان حدثًا يستحق الفرح.
أحيانًا لا يؤلمنا الغياب بقدر ما يؤلمنا تغيّر الحضور؛ أن يكون الشخص أمامك، لكنه لم يعد ذلك الشخص الذي عرفته. تسمعه، ولا تجد في صوته ذلك الدفء. تنظر إليه، فلا تجد في عينيه المكان الذي كنت تسكنه ذات يوم.
وهنا تبدأ المشاعر في الارتجاف.
فالقلب لا يطلب المستحيل؛ لا يريد قصورًا من الكلمات، ولا وعودًا لا تنتهي. يريد فقط شعورًا صادقًا يقول له: أنا أراك، أشعر بك، وما زلت تعني لي شيئًا.
لكن البرود يفعل عكس ذلك تمامًا.
يجعل الإنسان يشك في قيمته، ويعيد قراءة المواقف القديمة، ويفتش في الكلمات عن معنى لم يعد موجودًا. وكلما حاول أن يقترب، اصطدم بجدارٍ من اللامبالاة، حتى يتعب من طرق الباب الذي كان يومًا مفتوحًا له دون استئذان.
والغريب أن الإنسان يستطيع أن يحتمل عتاب من يحب، لكنه يجد صعوبة بالغة في احتمال اللامبالاة.
فالعتاب دليل شعور، أما البرود فقد يكون إعلانًا صامتًا عن انطفائه.
لهذا، لا تستهينوا بالتفاصيل الصغيرة في العلاقات؛ رسالة اطمئنان، سؤال عابر، كلمة تقدير، نظرة حانية، أو حتى حضور صادق في وقتٍ لا يحتاج فيه الآخر منك شيئًا سوى أن تكون بجانبه.
هذه الأشياء تبدو صغيرة في أعيننا، لكنها عند القلوب الكبيرة قد تكون حياة كاملة.
وكم من علاقة لم تنتهِ بسبب الخيانة، ولا بسبب الخصام، وإنما انتهت لأن أحد الطرفين ظل يطلب الدفء منَ قلبٍ قرر أن يصبح باردًا.
إن المشاعر تشبه الزهور؛ لا تحتاج إلى الكثير كي تزهر، لكنها تحتاج إلى رعاية مستمرة. كلمة جميلة قد تمنحها عمرًا، واهتمام صادق قد يجعلها أكثر إشراقًا، بينما التجاهل المتكرر قادر على ذبولها مهما كان أصلها جميلًا.
لذلك، إذا كان في حياتك إنسان تحبه، فلا تجعله يتساءل طويلًا عن مكانته عندك.
قل له ما تشعر به قبل أن يصبح الكلام متأخرًا.
اقترب منه قبل أن يعتاد البعد، واحتضن قلبه قبل أن يتعلم كيف يعيش من دونك.
فبعض القلوب لا تغادر لأنها لم تعد تحب، بل تغادر لأنها تعبت من البحث عن الدفء في مكانٍ أصبح باردًا.
وفي النهاية…
لا تخشَ حرارة الغضب بقدر ما تخشى برودة المشاعر؛ فالغضب قد ينطفئ بكلمة، أما البرود فقد يحرق أجمل ما في القلب دون أن يُسمع له صوت.

