بقلم أ. غميص الظهيري
المصداقية في الوعد من أجمل الصفات التي يتحلى بها الإنسان، فهي تعكس صدقه، ونبل أخلاقه، واحترامه لمن منحه ثقته. فالإنسان لا تُقاس قيمته بكثرة ما يقول، وإنما بقدر ما يلتزم بما يقول ويجعل من كلماته أفعالًا يلمسها الآخرون.
الوعد ليس مجرد كلمات تُقال في لحظة حماس أو مجاملة، وإنما مسؤولية يتحملها من أطلقه. ولذلك، من الحكمة ألا نَعِد بما لا نستطيع الوفاء به، فالصراحة في الاعتذار عن أمر لا نقدر عليه أصدق وأكرم من وعدٍ جميل لا يجد طريقه إلى التنفيذ.
وتظهر المصداقية الحقيقية عندما تتغير الظروف وتصبح الأمور أكثر صعوبة. ففي أوقات الراحة يسهل الوفاء، أما حين تأتي العقبات وتثقل المسؤوليات، يظهر معدن الإنسان ومدى احترامه لكلمته. والوفيّ لا يبحث عن الأعذار كلما واجه صعوبة، بل يحاول أن يفي بما وعد، وإن تعذر عليه ذلك كان واضحًا وصريحًا، ولم يترك من وثق به ينتظر دون تفسير.
إن الثقة بين الناس لا تُبنى في يوم واحد، وإنما تنمو مع المواقف. وكل وعد نفي به يزيد من رصيد الثقة، وكل وعد نُخلفه بلا مبالاة يترك أثرًا قد يصعب محوه. ولهذا تبقى كلمة الإنسان من أهم ما يملكه؛ فإذا كانت صادقة وموثوقة، أصبح لها وزن وقيمة، وأصبح الناس يطمئنون إلى التعامل معه والاعتماد عليه.
وفي العلاقات الإنسانية، قد لا يتذكر الناس جميع الكلمات التي قيلت لهم، لكنهم يتذكرون جيدًا من صدق معهم، ومن وقف إلى جانبهم، ومن حفظ وعده حين كان الوفاء به أمرًا شاقًا. فالمصداقية تمنح العلاقات استقرارًا، وتجعل الثقة أساسًا متينًا لا تهزه المواقف العابرة.
ولعل أجمل ما يمكن أن يتحلى به الإنسان أن تكون وعوده قليلة، لكن وفاءه بها كثير. فلا يعد لمجرد إرضاء الآخرين، ولا يمنح كلمة لا يستطيع تحمل مسؤوليتها، بل يجعل من كلمته عهدًا، ومن عهده فعلًا، ومن فعله دليلًا على صدقه.
فالمصداقية ليست أن تقول ما يحب الناس سماعه، وإنما أن تقول ما تستطيع فعله، ثم تفعل ما قلت. وفي عالمٍ تكثر فيه الكلمات، يبقى الإنسان الذي يحفظ وعده مختلفًا؛ لأن كلمته تصبح عنوانًا لشخصيته، ووفاؤه شاهدًا على أخلاقه.

