بقلم: مزنة بنت سعيد البلوشية
كاتبة عُمانية
في بعض الأرواح يولد الشعر قبل أن تعرف الأقلام طريقها إلى الورق، ويكبر الحرف مع صاحبه حتى يصبح جزءًا من ملامحه، لا يستطيع الفكاك منه ولا يستطيع هو أن يعيش بعيدًا عنه. هكذا هي الشاعرة القطرية فدا حسن الهيل، التي اختارت لنفسها لقبًا يليق بروحها الشعرية: «الشوق طير»؛ وكأنها أرادت أن تمنح شوقها جناحين، ليحلق بهما بين القصيدة والقصيدة، وبين المكان والذاكرة، وبين قلب الشاعرة وقلوب من يقرأونها.
منذ طفولتها، كان الشعر رفيقها الأول، يكبر معها وتكبر معه علاقتها بالكلمة. ولم يكن الشعر عندها مجرد أبيات تُكتب، بل إحساس يسكنها، وصوت يجد طريقه إلى القصيدة كلما ازدحمت في الروح المشاعر.
فدا حسن الهيل شاعرة قطرية جعلت من حضورها الأدبي مساحة للتواصل والإبداع، فلم تكتفِ بكتابة القصيدة، وإنما حملت الحرف إلى ميادين الثقافة والإعلام، فكانت محررة في مجلة إبداعات عربية، ومنسقة للحركة العالمية للشعر في قطر، وعضوة في مجلس الشعر في قطر «ديوان العرب»، وكذلك في الملتقى القطري للمؤلفين.
وهذا الحضور المتعدد يكشف عن شاعرة لا ترى الأدب جزيرة منعزلة، بل فضاء رحبًا يلتقي فيه المبدعون، وتتلاقى فيه التجارب، وتكبر فيه القصيدة حين تجد من يصغي إليها.
ولأن الصوت الشعري حين يصدق يصل إلى أبعد من حدود الورق، كان لفدا حضورها الإعلامي أيضًا؛ فقد أعدت وقدمت برنامج «ترانيم القوافي» عبر قناة البادية، وشاركت في لقاءات واستضافات تلفزيونية وإذاعية متعددة، إلى جانب أمسيات شعرية داخل دولة قطر وخارجها، لتصبح القصيدة بصوتها وحضورها جزءًا من مشهد ثقافي عربي واسع.
وقد حملت قصيدتها «نورة» حضورًا استثنائيًا، حين نالت عنها أوسكار الإنسانية والسلام في أربيل، في تكريم يضيء قيمة الكلمة حين تخرج من حدود التعبير إلى فضاء الإنسان، وتصبح القصيدة رسالة تحمل مشاعرها إلى العالم.
ولم تكن مشاركاتها الثقافية محصورة في مكان واحد؛ فقد حملها الشعر إلى مهرجانات وملتقيات متعددة في الوطن العربي، فشاركت في مهرجان المثلث الذهبي في الأردن، ومهرجانات جرش وإيليا والخالدية، ومهرجان اتحاد شعراء العرب في العراق، ومهرجان الإنسانية والسلام في أربيل، ومهرجان أصوات خليجية على ضفاف النيل في مصر.
كما شاركت في مهرجان جرش للثقافة والفنون عام 2025، ومهرجان منازل الشعراء، ومهرجان الشارقة للشعر النبطي، إلى جانب مشاركتها في مهرجان أم الدرج بمدينة عجلون، وغيرها من المحافل التي كان للشعر فيها صوته، وللشاعرة حضورها.
وما بين الأمسيات والمهرجانات والبرامج واللقاءات، تبدو تجربة فدا حسن الهيل وكأنها رحلة طائر لا يرضى بقفص واحد؛ يحط في مكان، ثم يحمل قصيدته إلى مكان آخر، تاركًا خلفه شيئًا من الشوق، وشيئًا من الذاكرة، وشيئًا من روح القصيدة.
أما إصداراتها الشعرية، فقد جاءت لتوثق جانبًا من هذه الرحلة، فصدر ديوانها الشعري الأول عن وزارة الثقافة القطرية بعنوان «جذع الشوق»، وهو عنوان يحمل شيئًا من فلسفة تجربتها؛ فالشوق عندها ليس إحساسًا عابرًا، بل جذع تتفرع منه القصائد، وتمتد منه أغصان الحنين والبوح.
ثم جاء ديوانها الثاني «أول المعركة»، ليواصل هذا الحضور الشعري، ويؤكد أن الشاعرة لا تزال تمضي في مشروعها، تحمل القصيدة من تجربة إلى أخرى، ومن إحساس إلى آخر.
إن الشاعرة فدا حسن الهيل، أو «الشوق طير» كما اختارت أن تكون في فضاء الشعر، تمثل نموذجًا للشاعرة التي لم تجعل من القصيدة نهاية الطريق، بل جعلتها بدايته. فالقصيدة عندها تفتح أبوابًا أخرى: باب الإعلام، وباب المهرجان، وباب الحوار، وباب اللقاء، وباب الإنسان.
وحين نقرأ مسيرتها، ندرك أن الشاعر الحقيقي لا تقاس رحلته بعدد القصائد وحدها، وإنما بعدد الأرواح التي لامسها، والأمكنة التي عبر إليها، والذكريات التي ترك فيها أثرًا.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن «الشوق طير» أن لقبها لم يكن مجرد اسم شعري، بل بدا وكأنه اختصار لتجربة كاملة؛ فالشوق فيها طائر لا يستقر، يحلق بين القصائد، ويعبر الحدود، ويحمل من قطر إلى العالم حكاية امرأة اختارت الشعر رفيقًا منذ طفولتها، وظلت وفية له حتى صار لها في المشهد الثقافي حضور وصوت وذاكرة.
فدا حسن الهيل… شاعرة جعلت للشوق جناحين، وللقصيدة وطنًا، وللحرف طريقًا لا يعرف الحدود.
وفي نهاية الحكاية، يبقى الشعر هو الشاهد الأصدق؛ فما تكتبه اليد قد ينساه الزمن، لكن ما تكتبه الروح يجد طريقه إلى الخلود.
ولكِ يا «الشوق طير» من الحرف تحية، ومن الشعر سلام، ومن القلم أمنية بأن تظل قصائدكِ محلقة في فضاءات الإبداع، تحمل معها جمال قطر، ودفء الخليج، ونبض امرأة اختارت أن تجعل من الشوق قصيدة لا تنتهي.

