Site icon صحيفة صدى نيوز إس

إجازة زمان.. حين كان للصيف طعمٌ آخر

 

الإعلامي/ خضران الزهراني

ويغنّي الطير بألحان العِبرات، وأستأذنكم أن أكتب هذه الخاطرة مع تمثّل بداية عامٍ انتهى، وعامٍ جديدٍ بدأ، وبينهما تقف بنا الذاكرة عند أيامٍ جميلة مضت، ونسأل أنفسنا: هل يعود الزمان إلى أيام الإجازة الكبيرة؟

كانت الإجازة الصيفية في نظام التعليم القديم تمتد في الغالب قرابة ثلاثة إلى أربعة أشهر، أي نحو 80 إلى 90 يومًا أو أكثر أحيانًا للطلاب، تبدأ بعد انتهاء الاختبارات النهائية، وتمتد خلال فصل الصيف حتى موعد العودة إلى المدارس وبداية العام الدراسي الجديد.

لم تكن الإجازة مجرد أيامٍ في التقويم، بل كانت موسمًا من الفرح والذكريات.

كانت البيوت تستقبل أبناءها بعد عامٍ دراسي طويل، وتبدأ معها الرحلات والزيارات، والسفر إلى القرى والهجر، والاجتماع بالأقارب والأصدقاء. كان الطفل ينتظر الإجازة بشوق، لأنها تمنحه وقتًا طويلًا للعب، واكتشاف الحياة، ومرافقة والديه، وزيارة الأجداد والأقارب.

وكان للصيف آنذاك طعمٌ مختلف؛ لا هواتف تشغل الناس، ولا شاشات تسرق الساعات، ولا ازدحامٌ بالمواعيد. كانت الحياة أبسط، ولكنها كانت في كثير من الأحيان أكثر دفئًا وقربًا

كان المساء يجمع الأهل، والليل يحمل الحكايات، والنهار يمتلئ بالحركة واللعب. وكانت أيام الإجازة تمر ببطء جميل، حتى إن الطفل كان يشعر أن الصيف طويلٌ جدًا، وأن أمامه متسعًا من الوقت ليعيش كل تفاصيله.

أما اليوم، فقد تغيّر إيقاع الحياة، وأصبح الوقت أسرع، وأصبحت الإجازات مختلفة في مدتها وتنظيمها، وأصبح الطالب ينتقل من عامٍ دراسي إلى آخر وكأن الأيام تطارده.

وهنا يعود السؤال الذي يوقظ الذاكرة:

هل يمكن أن تعود إجازة زمان؟

ربما لا تعود الأيام كما كانت، ولا نستطيع أن نعيد عقارب الساعة إلى الوراء، لكننا نستطيع أن نستعيد شيئًا من روحها؛ أن نجعل الإجازة وقتًا حقيقيًا للراحة، وصلة الرحم، وزيارة الوالدين والأقارب، والسفر، واكتشاف الوطن، وصناعة الذكريات الجميلة.

فليست المشكلة دائمًا في عدد أيام الإجازة، وإنما في كيف نعيش تلك الأيام.

عامٌ مضى، وعامٌ بدأ، وبين البداية والنهاية تقف بنا الذاكرة أمام صورٍ لا تزال عالقة في القلب: مدرسةٌ قديمة، حقيبةٌ أُغلقت بعد آخر اختبار، فرحةٌ بانتهاء الدراسة، وصيفٌ طويل كنا نظنه لا ينتهي.

رحم الله أيامًا كانت بسيطة، لكنها كانت عظيمة في قلوبنا.

كانت الإجازة ثلاثة أشهر أو أربعة، ولكن أجمل ما فيها أنها كانت تمنحنا شيئًا لا يُقاس بالأيام:

وقتًا للأهل، ووقتًا للطفولة، ووقتًا للحياة.

وإن مضى ذلك الزمن، فلن تمضي ذكرياته؛ لأنها بقيت في القلب، تهمس لنا كلما بدأ عامٌ جديد:

كان هنا زمنٌ جميل… وكان هنا صيفٌ لا يُنسى.

Exit mobile version