Site icon صحيفة صدى نيوز إس

قراءة نقدية في التفاسير القديمة والمعاصرة

 

بقلم د معدي حسين علي آل حيه

من خلال البحث عن موضوع يختص بالقران الكريم اخترت المشاركة بمقال عن المقارنة بين كتب التفسير في القديم والحاضر حيث انها تمثل ثروة علمية وفكرية كبرى في الحضارة الإسلامية، إذ أسهمت عبر القرون في الكشف عن معاني القرآن الكريم، وبيان دلالاته اللغوية والشرعية، وربط آياته بأصول العقيدة والفقه والسلوك ومختلف جوانب الحياة. ومع تنوع المدارس التفسيرية وتعدد العصور، ظهرت محاولات كثيرة للمقارنة بين التفاسير المتقدمة والتفاسير المعاصرة، بحثًا عن الفروق في المناهج والموضوعات وطرائق الاستدلا

غير أن المقارنة بين ما يسمى بـ«التفاسير القديمة» و«التفاسير المعاصرة» تحتاج إلى قدر كبير من الدقة العلمية؛ لأن إطلاق الأحكام العامة على مرحلتين واسعتين من تاريخ التفسير قد يؤدي إلى نتائج غير دقيقة، ويغفل التنوع الكبير داخل كل مرحلة.

أولًا: مشكلة التقسيم بين «القديم» و«المعاصر»

من أبرز الملاحظات المنهجية على المقارنة الثنائية بين التفاسير القديمة والمعاصرة أنها لا تحدد بوضوح الحد الزمني الفاصل بين المرحلتين.

فمتى يبدأ التفسير المعاصر؟ وهل كل تفسير أُلِّف في القرون المتأخرة يدخل في دائرة التفسير المعاصر؟ وهل كل تفسير متقدم يمكن وصفه بأنه تفسير تقليدي يسير على منهج واحد؟

هذه الأسئلة ليست شكلية، بل لها أثر مباشر في سلامة النتائج؛ لأن تاريخ التفسير الإسلامي لم يكن مسارًا واحدًا متجانسًا، وإنما شهد مدارس واتجاهات ومناهج متعددة، بعضها متداخل زمنيًا، وبعضها تجاوز خصائص عصره وسبق إلى مناهج يمكن أن نجد نظائر لها في بعض التفاسير الحديثة.

ومن هنا فإن الدراسة العلمية الدقيقة لا تكتفي بتقسيم التفاسير إلى «قديمة» و«معاصرة»، بل ينبغي أن تحدد الإطار الزمني للدراسة، وتبين الأسس التي اعتمدت عليها في هذا التقسيم.

ثانيًا: التفسير بالمأثور ليس حكرًا على التفاسير القديمة

من الشائع وصف التفاسير القديمة بأنها تعتمد على المأثور من القرآن والسنة وأقوال الصحابة والتابعين، بينما توصف التفاسير المعاصرة بأنها تميل إلى التحليل والدراسة الموضوعية وربط القرآن بقضايا العصر.

وهذا التوصيف قد يكون صحيحًا من حيث الاتجاه العام في بعض النماذج، لكنه لا يصح تعميمه على جميع التفاسير.

فالتفاسير المتقدمة نفسها تختلف في مقدار اعتمادها على الرواية، وفي تعاملها مع اللغة والقراءات والفقه والعقيدة، كما أن عددًا من التفاسير المعاصرة لا يزال يعتمد اعتمادًا كبيرًا على مصادر التفسير الموروثة، ويستفيد من أقوال السلف، ويستند إلى كتب اللغة والحديث والفقه وأصول التفسير.

وعليه، فالفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في كون أحدهما «قديمًا» والآخر «حديثًا»، وإنما في المنهج الذي اتبعه المفسر في التعامل مع النص ومصادر التفسير وأدوات الفهم.

ثالثًا: حضور اللغة والبلاغة في التفسير

يُقال إن التفاسير القديمة تميزت بالتحليل اللغوي والنحوي والبلاغي، وهو وصف له وجاهته في عدد كبير من كتب التفسير، لكنه لا يعني أن التفاسير المعاصرة أهملت اللغة.

فالتفسير المعاصر قد يوظف علوم اللغة والبلاغة والدلالة توظيفًا مختلفًا، وقد يستفيد من الدراسات اللغوية الحديثة، مع استمرار اعتماده على أصول العربية التي شكلت أحد أهم مفاتيح فهم النص القرآني.

وهذا يؤكد أن التطور في التفسير لا يعني بالضرورة القطيعة مع التراث، بل قد يكون في كثير من الأحيان إعادة توظيف للمعارف التراثية ضمن سياق علمي جديد.

رابعًا: الروايات الإسرائيلية والحاجة إلى الدقة

من الملاحظات التي ترد في بعض المقارنات أن التفاسير القديمة تشتمل على الروايات الإسرائيلية، وهذا موجود بالفعل في بعض كتب التفسير، لكن نسبة هذه الظاهرة إلى «التفاسير القديمة» كلها تعميم يحتاج إلى مراجعة.

فالتعامل مع الإسرائيليات يختلف من مفسر إلى آخر؛ فمنهم من يورد الرواية، ومنهم من ينقدها، ومنهم من يختصرها، ومنهم من يتركها أصلًا.

ومن ثم فإن الحكم العلمي ينبغي أن ينصب على التفسير المحدد ومنهجه في التعامل مع الروايات، لا على مرحلة تاريخية بأكملها.

خامسًا: التفاسير المعاصرة والقضايا الجديدة

لا شك أن عددًا من التفاسير الحديثة والمعاصرة حاول أن يتفاعل مع قضايا المجتمع وأسئلته الجديدة، كالقضايا الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والتربوية، وظهر إلى جانب ذلك التفسير الموضوعي وبعض الاتجاهات التي سعت إلى إبراز هداية القرآن في واقع الإنسان المعاصر.

لكن هذه السمة ليست قاعدة مطردة في كل تفسير معاصر؛ فالتفاسير الحديثة نفسها متعددة الاتجاهات، وبعضها امتداد واضح للمناهج التراثية، بينما يتجه بعضها إلى التجديد في العرض أو الموضوع أو الأدوات.

وهنا تظهر أهمية دراسة كل تفسير في ضوء منهجه الفعلي، بدل إدخاله في تصنيف عام لمجرد أنه حديث زمنيًا.

سادسًا: التفسير والسياق المعاص

من أبرز سمات الدراسات الحديثة اهتمامها بالسياق الاجتماعي والثقافي والفكري، ومحاولة الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها الواقع المعاصر.

وهذا جانب مهم، شريطة ألا يتحول ربط النص بالواقع إلى تحميل الآيات ما لا تحتمل، أو إخضاع دلالاتها القطعية لمتغيرات فكرية وثقافية عابرة.

فالتجديد في التفسير لا يعني تغيير معاني القرآن بتغير الأزمنة، وإنما يعني حسن تنزيل هدايات القرآن على الوقائع المستجدة، مع المحافظة على أصول التفسير وضوابط فهم النص.

سابعًا: أهمية تحديد عينة الدراسة

ولكي تكون المقارنة بين التفاسير القديمة والمعاصرة دراسة علمية رصينة، فلا بد من تحديد التفاسير التي قامت عليها المقارنة.

فلا يكفي القول: «التفاسير القديمة تقول كذا، والتفاسير المعاصرة تقول كذا»، وإنما ينبغي ذكر النماذج التي تمت دراستها، وبيان سبب اختيارها، ثم تحليل مناهجها ومصادرها وطرائقها في تفسير النص القرآني.

كما ينبغي التمييز بين التفسير بالمأثور، والتفسير بالرأي المنضبط، والتفسير الفقهي، والتفسير اللغوي، والتفسير العقدي، والتفسير الموضوعي، وغيرها من الاتجاهات، بدل جمعها جميعًا تحت عنوانين كبيرين هما «قديم» و«معاصر».

ثامنًا: المقارنة المنهجية أدق من المقارنة الزمنية

إن المقارنة الأكثر فائدة ليست بالضرورة بين «قديم وحديث»، وإنما بين مناهج تفسيرية واتجاهات علمية.

فقد نجد تفسيرًا قديمًا يمتلك خصائص منهجية قريبة من بعض التفاسير الحديثة، كما قد نجد تفسيرًا معاصرًا يعتمد بصورة واسعة على الموروث التفسيري، ويعيد عرض أقوال المتقدمين بأسلوب جديد.

وهذا يعني أن العامل الزمني وحده لا يكفي للحكم على منهج التفسير.

خلاصة

تظل التفاسير التراثية أساسًا مهمًا في بناء المعرفة التفسيرية، بما راكمته من علوم اللغة والحديث والفقه وأقوال السلف ومناهج الاستدلال، بينما أسهمت التفاسير الحديثة والمعاصرة في توسيع دائرة البحث، واستحضار أسئلة الإنسان والمجتمع، وتقديم القرآن الكريم بلغة أقرب إلى احتياجات القارئ المعاصر.

غير أن الإنصاف العلمي يقتضي عدم تحويل المقارنة بين القديم والمعاصر إلى ثنائية جامدة؛ فداخل كل مرحلة تنوع واسع في المناهج والاتجاهات، ولا يمكن إصدار حكم دقيق من خلال تعميمات لا تستند إلى عينة محددة ودراسة استقصائية واضحة.

ولذلك فإن أي دراسة علمية في هذا المجال ينبغي أن تحدد أولًا المقصود بالتفسير القديم والتفسير المعاصر، والحدود الزمنية الفاصلة بينهما، والتفاسير التي تم اعتمادها نموذجًا للدراسة، والمعايير المنهجية التي بنيت عليها المقارنة.

أما إذا أريد تقديم الموضوع بوصفه ثقافة عامة للقارئ غير المتخصص، فالأولى أن يقدم بصورة مبسطة وحذرة، مع التأكيد أن ما يرد فيه يمثل اتجاهات عامة لا أحكامًا مطلقة على جميع كتب التفسير.

وهكذا تصبح المقارنة بين التفاسير وسيلة لفهم تطور الدرس التفسيري وتنوع مدارسه، لا وسيلة للمفاضلة السريعة بين «قديم» و«حديث»، ولا لإقصاء التراث أو تقديس المعاصرة؛ فالقرآن الكريم ثابت، أما أدوات فهمه وطرائق عرضه فتتعدد، ويبقى الميزان هو العلم، والدليل، والمنهج، والانضباط في التعامل مع كلام الله تعالى.

Exit mobile version