عبدالله شراحيلي
هناك عيونٌ لا تكتفي بأن ترى، بل تروي حكاياتٍ تعجز الكلمات عن سردها؛ تلتقي بها لحظةً واحدة، فتشعر أن شيئًا في داخلك قد تغيّر، وأن القلب تلقّى رسالةً صامتة لم يحتج العقل إلى ترجمتها.
سهام العيون ليست دائمًا نظراتٍ عابرة؛ فقد تكون سهمًا يصيب القلب في موضعٍ لا يعرفه إلا من ذاق أثرها. نظرةٌ واحدة قد تحمل شوقًا، أو إعجابًا، أو عتابًا، أو حنينًا، وقد تقول ما تعجز عنه صفحاتٌ من الكلام. فالعيون لغةٌ لا تحتاج إلى صوت، وحين تصدق المشاعر، تصبح النظرات أكثر بلاغةً من الحروف.
وحين تصيب تلك السهام القلب، تبدأ النبضات بالحديث؛ تتسارع دقاته، ويصبح للحضور معنى مختلف، وللصمت موسيقى خاصة، وللحظة العابرة أثرٌ قد يمتد طويلًا في الذاكرة. كأن القلب، في تلك اللحظة، يعلن أنه التقى شيئًا كان يبحث عنه دون أن يعرف اسمه.
لكن بين القلب والعين يقف العقل؛ ذلك الحارس الذي يحاول أن يزن الأمور بعيدًا عن اندفاع المشاعر. فالقلب قد ينجذب، والعين قد تبوح، لكن العقل يسأل: هل هذه النظرة حقيقة أم وهم؟ هل هذا الشعور عابر أم يستحق أن يُمنح مكانًا في الروح؟َ
وهنا تكمن أجمل الحكايات وأصعبها؛ حين تتلاقى سهام العيون مع نبضات القلب وحكمة العقل. فليس كل ما يلمع في العين حبًا، وليس كل نبضةٍ وعدًا، وليس كل إحساسٍ دليلًا على أن الطريق آمن. المشاعر الجميلة تحتاج إلى صدقٍ يحميها، وعقلٍ يوازنها، وكرامةٍ لا تسمح لها بأن تتحول إلى وجع.
وقد تكون أجمل العلاقات تلك التي تبدأ بنظرة، ثم يكملها الاحترام، ويثبتها الاهتمام، ويحفظها الوفاء. فالعين قد تفتح الباب، والقلب قدَ يدعو إلى الاقتراب، لكن الأخلاق هي التي تحدد إن كان ذلك الاقتراب يستحق أن يستمر.
وفي النهاية، تبقى بعض العيون استثناءً لا يشبه غيره؛ عيونٌ إذا نظرت إليها شعرت أن العالم هدأ قليلًا، وأن القلب وجد لغةً يفهمها، وأن العقل، رغم كل محاولاته، وقف لحظةً عاجزًا أمام سحر المشهد.
فبعض السهام لا تجرح الجسد، وإنما تصيب القلب… وبعض النظرات لا تمرّ من أمامنا، بل تسكن فينا.

