Site icon صحيفة صدى نيوز إس

الحجاز. أصل العرب تهامة ثم الحجاز ثم نجد

بقلم: أحمد علي بكري

هناك من يحاول أن يختصر جغرافية غرب الجزيرة العربية في اسم «الحجاز»، وكأن تهامة ليست إقليمًا قائمًا بذاته، أو كأن اسم تهامة يمكن إسقاطه من الخريطة والتاريخ. وهذا خلط بين الأقاليم الجغرافية لا يستقيم مع طبيعة المنطقة ولا مع تعدد التسميات التي عرفتها عبر التاريخ.

تهامة ليست الحجاز، كما أن الحجاز ليس تهامة. لكن توجد تهامة الحجاز، كما توجد تهامة عسير؛ فالجزء الساحلي أو السهلي من الإقليم قد يوصف بأنه تهامة، دون أن يعني ذلك أن الإقليم كله أصبح تهامة. وكما نقول «تهامة عسير» ولا نقول إن عسير كلها تهامة، فإن وجود «تهامة الحجاز» لا يعني أن الحجاز كله تهامة، ولا أن تهامة تختزل في الحجاز.

ومكة المكرمة هنا مثال مهم في فهم هذه المسألة؛ فمكة تقع في تهامة، وتوصف في عدد من المصادر والكتب الجغرافية بأنها من بلاد تهامة، كما ارتبطت في وصفها القديم بالأبطح. ولذلك فإن محاولة جعل مكة حجازية فقط، مع تغييب صفتها التهامية، تؤدي إلى اختزال جغرافي لا يعبر عن تعدد أوصافها في المصادر.

والأمر نفسه ينطبق على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فهناك من يحاول أن ينسبه جغرافيًا إلى «الحجاز» وكأن هذه هي الصفة الوحيدة التي يمكن أن ترتبط بمكة والرسول صلى الله عليه وسلم، في حين أن وصفه بأنه تهامي وارد في التراث، وإن كانت الألفاظ المنسوبة إليه في هذا الباب تحتاج إلى التحقق من أسانيدها ومصادرها قبل الجزم بثبوتها عنه صلى الله عليه وسلم.

إن كلمة تهامة ليست تفصيلًا هامشيًا يمكن تجاوزه؛ فهي اسم لإقليم جغرافي عريق يمتد بمحاذاة الساحل الشرقي للبحر الأحمر، وتندرج ضمنه أقاليم وسهول واسعة تتصل ببعضها جغرافيًا. ووفق التصور الجغرافي الواسع لتهامة، يمتد نطاقها من ينبع شمالًا إلى عدن وباب المندب جنوبًا، مع اختلاف حدودها التفصيلية بين المصادر والمواضع بحسب الاصطلاح الجغرافي المستخدم.

ومن هنا ينبغي ألا نخلط بين الإقليم وأحد أجزائه. فإذا كان في الحجاز جزء يسمى تهامة، فهذا لا يجعل الحجاز كله تهامة. وإذا كان في عسير جزء يسمى تهامة عسير، فهذا لا يجعل عسير كلها تهامة. وبالمثل، فإن وجود مكة ضمن نطاق تهامة لا يعني إسقاط اسم الحجاز من التاريخ والجغرافيا، وإنما يعني أن الأسماء الجغرافية قد تتداخل بحسب الموقع والتقسيم الذي يتحدث عنه المؤرخ أو الجغرافي.

واللافت أن اسم تهامة كثيرًا ما يُهمَّش في النقاشات المعاصرة، حتى يكاد يغيب عن بعض الخطابات التي تتحدث عن غرب الجزيرة العربية، فيُذكر الحجاز وحده، وكأن السهل التهامي لم يكن إقليمًا معروفًا، وكأن مدنه وقراه وسكانه وتاريخه الزراعي والبحري لا تنتمي إلى جغرافيا الجزيرة العربية.

تهامة ليست مجرد شريط ساحلي ضيق؛ إنها مجال جغرافي واسع ارتبط بالزراعة والاستقرار والتجارة والموانئ والأودية، وامتد جنوبًا عبر غرب الجزيرة العربية إلى تهامة اليمن. وفيها تنوع بيئي وزراعي كبير، من السهول الساحلية إلى المناطق الزراعية المرتبطة بالأودية ومجاري السيول، وهو ما جعلها جزءًا مهمًا من تاريخ الاستقرار البشري في المنطقة.

وعندما نقول: «أصل العرب: تهامة ثم الحجاز ثم نجد»، فنحن نتحدث عن تسلسل جغرافي وتاريخي لفهم أقاليم الجزيرة العربية، لا عن حدود سياسية حديثة. تهامة في الغرب، ثم نطاقات الحجاز ومرتفعاته، ثم نجد في الداخل؛ وبين هذه الأقاليم طرق وأودية وممرات وحركة بشرية متصلة عبر التاريخ.

ولهذا فإن إعادة اسم تهامة إلى المشهد ليست انتقاصًا من الحجاز، ولا من عسير، ولا من أي إقليم آخر؛ بل هي إعادة لكل إقليم إلى اسمه وموقعه الجغرافي الصحيح. فكما أن تهامة الحجاز جزء من الحجاز، وليست الحجاز كله، وكما أن تهامة عسير جزء من عسير، وليست عسير كلها، فإن تهامة إقليم أوسع من أن يُختزل في منطقة واحدة.

إن المشكلة تبدأ عندما نأخذ اسمًا واحدًا ونحاول أن نجعله عنوانًا لكل الجغرافيا، ثم ننسى أن الجزيرة العربية عرفت أقاليم متعددة بأسمائها وحدودها وخصائصها. ولذلك يجب أن تبقى تهامة حاضرة في الحديث عن جغرافية غرب الجزيرة العربية، لا بوصفها اسمًا ثانويًا، وإنما بوصفها إقليمًا له حضوره التاريخي والجغرافي الممتد من ينبع إلى عدن وباب المندب.

Exit mobile version