Site icon صحيفة صدى نيوز إس

الفقر والجهل وجهان لعملة واحدة

بقلم: أحمد علي بكري

ليس الفقر والجهل ظاهرتين منفصلتين كما قد يبدو للوهلة الأولى؛ فالفقر حين يستوطن مجتمعًا يضيّق على أفراده أبواب المعرفة، والجهل حين يتمكّن من العقول يعيد إنتاج الفقر، حتى يتحول الاثنان إلى دائرة مغلقة يتوارثها جيل عن جيل. ولهذا يمكن القول إن الفقر والجهل وجهان لعملة واحدة، وإن أخطر ما يمكن أن يُصاب به مجتمع ليس أن تنقص موارده، بل أن يفقد قدرته على فهم واقعه وصناعة مستقبله.

إن الإنسان الفقير لا يعاني دائمًا من نقص المال وحده؛ فقد يعاني من نقص الفرص، ونقص التعليم، ونقص القدرة على الوصول إلى المعرفة، ونقص الأمل أيضًا. وحين يصبح الفقر حالة مستمرة، قد يتحول من ظرف اقتصادي إلى عقلية اجتماعية؛ فيعتاد الإنسان حدود واقعه، ويصبح الطموح في نظره ترفًا، والتغيير مغامرة، والسؤال خروجًا عن المألوف.

وهنا يبدأ الجهل في أداء دوره الأخطر.

فالجهل ليس مجرد عدم معرفة القراءة والكتابة، وإنما هو العجز عن التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين المصلحة والاستغلال، وبين من يريد بناء الإنسان ومن يريد استخدامه. وقد يكون الإنسان متعلمًا في ظاهر الأمر، لكنه يظل جاهلًا إذا فقد القدرة على التفكير النقدي، وعلى مساءلة الأفكار، وعلى قراءة التاريخ وفهم الحاضر واستشراف المستقبل.

ولذلك فإن السيطرة على الإنسان لا تبدأ دائمًا بالسلاح؛ أحيانًا تبدأ بحرمانه من السؤال.

وحين يتساءل المرء: كيف يمكن لقوة ما أن تُخضع شعبًا بأكمله؟ فإن الإجابة لا تكمن دائمًا في احتلال الأرض عسكريًا، بل قد تبدأ بمحاصرة العقل، وإضعاف التعليم، وتكريس الفقر، وإشاعة الخوف، وإقناع الناس بأن واقعهم قدر لا يمكن تغييره.

إن أردت أن تغزو أرضًا، فلست مضطرًا دائمًا إلى عبور حدودها بالدبابات؛ يكفي، في أخطر صور الاستعمار، أن تجعل أبناءها عاجزين عن فهم ما يحدث حولهم، وأن تجعل مدارسهم ضعيفة، ومكتباتهم مهجورة، وعقولهم منشغلة بالصراع على لقمة العيش، ثم تترك الزمن يقوم بالباقي.

فالأرض التي يحرسها الوعي أصعب احتلالًا من الأرض التي تحرسها الجدران.

والشعب الذي يعرف تاريخه، ويفهم واقعه، ويمتلك تعليمًا جيدًا، ويستطيع أن يسأل: لماذا؟ وكيف؟ ومن المستفيد؟ هو شعب يصعب تضليله، لأن المعرفة تمنحه جهازًا داخليًا للمناعة. أما حين يتراجع التعليم، فإن الفراغ الذي يتركه العلم لا يبقى فارغًا؛ سرعان ما تملؤه الخرافة، والدعاية، والتعصب، والشائعات، والخطابات التي تتغذى على الخوف والانقسام.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: قد يكون الفقر نتيجة للجهل، وقد يصبح الجهل نتيجة للفقر، ثم يتحول كل منهما إلى وقود للآخر.

فالأسرة الفقيرة قد تضطر إلى إخراج طفلها من المدرسة ليعمل، والطفل الذي حُرم من التعليم يكبر بفرص أقل، ودخل أقل، وقدرة أضعف على تحسين حياة أسرته، فينشأ جيل جديد من الفقر. وهكذا لا يعود الفقر مجرد نقص في المال، وإنما يصبح نظامًا يعيد إنتاج نفسه.

لكن الأخطر من فقر الجيوب هو فقر العقول.

فالعقل الفقير معرفيًا يمكن أن يمتلك المال، لكنه يظل عاجزًا عن توظيفه في بناء مجتمع. وقد تكون دولة غنية بالموارد، لكنها فقيرة في التعليم والبحث العلمي والمؤسسات، فتظل أسيرة لغيرها في المعرفة والتقنية وصناعة القرار.

إن الأمم لا تُقاس فقط بما تستخرجه من باطن الأرض، وإنما بما تستخرجه من عقول أبنائها.

ولهذا فإن التعليم ليس خدمة اجتماعية ثانوية، ولا بندًا إداريًا يمكن تخفيضه حين تضيق الميزانيات؛ التعليم هو خط الدفاع الأول عن استقلال المجتمع. فالمدرسة التي تعلّم الطفل كيف يفكر، لا كيف يحفظ فقط، تبني مواطنًا يستطيع أن يقرأ العالم بدل أن يكون مادة سهلة للتلاعب به.

ومن هنا يمكن فهم واحدة من أخطر صور الصراع عبر التاريخ: الصراع على الإنسان قبل الصراع على الأرض.

فمن يسيطر على التعليم يستطيع، إذا أُسيء استخدامه، أن يؤثر في الذاكرة الجمعية، ومن يسيطر على الإعلام يستطيع أن يؤثر في تفسير الأحداث، ومن يسيطر على المعرفة يستطيع أن يحدد إلى حد بعيد من يملك أدوات المستقبل.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست دائمًا بين جيشين؛ أحيانًا تكون بين عقل مستنير وعقل مُغيَّب.

إن المستعمر الحديث، أو المستغل، لا يحتاج بالضرورة إلى أن يمنع الناس من الكلام؛ يكفي أن يغرقهم في ضجيج لا ينتهي حتى يفقدوا القدرة على الاستماع إلى الحقيقة. ولا يحتاج إلى إخفاء كل المعلومات؛ يكفي أن يخلط الحقيقة بالكذب حتى يصبح الوصول إلى الحقيقة عملًا شاقًا.

ومن هنا فإن مكافحة الجهل ليست مجرد بناء مدارس، بل بناء إنسان يمتلك القدرة على التحقق، والتحليل، والمقارنة، والنقد، واحترام الدليل.

كما أن مكافحة الفقر ليست مجرد توزيع الأموال، بل خلق اقتصاد يفتح أبواب العمل والإنتاج، ويمنح الإنسان القدرة على الاعتماد على نفسه، ويجعل التعليم طريقًا إلى الارتقاء لا مجرد شهادة معلقة على جدار.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لشعب هو أن يتحول الفقر إلى قدر، والجهل إلى ثقافة، واليأس إلى فلسفة حياة.

فإذا اقتنع الإنسان بأن لا شيء يمكن تغييره، فقد انتصر القهر قبل أن تبدأ المعركة.

أما حين يؤمن بأن المعرفة قوة، وأن العمل طريق، وأن السؤال حق، وأن المستقبل قابل للصناعة، فإن أول جدار من جدران الاستبداد يبدأ بالسقوط.

ولهذا فإن بناء الأمم يبدأ من الإنسان قبل الحجر، ومن المدرسة قبل الطريق، ومن الكتاب قبل البنيان. فالدولة التي تستثمر في عقل طفل اليوم، قد تحمي استقلالها بعد عقود من دون أن تطلق رصاصة واحدة.

إن الفقر قد يحرم الإنسان من بعض الخيارات، والجهل قد يمنعه من إدراك أنه محروم منها أصلًا؛ ولذلك يظل التعليم أحد أعظم أدوات تحرير الإنسان من دائرة العجز.

وفي النهاية، ليست المعركة الحقيقية أن نطعم الجائع فحسب، بل أن نمنحه القدرة على ألا يجوع مرة أخرى؛ وليست أن نعطي الجاهل معلومة عابرة، بل أن نمنحه أدوات البحث التي تجعله قادرًا على الوصول إلى المعرفة بنفسه.

فالجوع يُسكت الإنسان مؤقتًا، أما الجهل فقد يجعله لا يعرف حتى من الذي أسكته.

وحين تتعلم الشعوب، تبدأ في طرح الأسئلة. وحين تطرح الأسئلة، تبدأ في اكتشاف مواطن الخلل. وحين تكتشف الخلل، تبدأ في إصلاحه. وحين تمتلك المعرفة والاقتصاد والوعي، يصبح احتلال إرادتها أصعب بكثير.

لذلك، فإن الاستثمار الحقيقي في مستقبل أي وطن ليس في المباني وحدها، ولا في الثروات وحدها، ولا في الأسلحة وحدها؛ بل في عقل الإنسان.

فالأرض قد تُحتل بالقوة، لكن العقول لا ينبغي أن تُحتل إلا بالمعرفة. ومن أراد أن يحمي وطنًا، فليحمِ مدرسته، وليحارب الفقر، وليفتح أبواب المعرفة؛ لأن أمةً متعلمةً قد تتعثر، لكنها تعرف كيف تنهض، أما الأمة التي يُغلق عنها باب العلم، فقد لا تعرف حتى لماذا سقطت.

Exit mobile version