Site icon صحيفة صدى نيوز إس

مواقف تربوية صنعت أثرًا وبقيت في الذاكرة

بقلم الدكتور/  معدي حسين علي آل حيه

(متخصص في التوجيه والإرشاد النفسي)

اعجبني مقال الاستاذ فهد الهاجري في موقع يعنى بالتربية

ففي الميدان التربوي، لا تُقاس قيمة المعلم بما يقدمه من معلومات دراسية فحسب، بل بما يتركه من أثر في نفوس طلابه، وما يصنعه من مواقف تربوية تبقى حاضرة في الذاكرة سنوات طويلة.

ومن بين سنوات العمل مع الطلاب، تبرز مواقف وقصص قصيرة، لكنها تحمل في تفاصيلها دروسًا كبيرة في التربية والتعليم، وتؤكد أن الطالب ليس مجرد رقم في سجل المدرسة، بل إنسان له ظروفه واحتياجاته ومواهبه ومشكلاته.

«حدثني عن ابنك».. سؤال فتح أبوابًا للتربية

– في بداية العام الدراسي، كنت أحرص على عقد لقاءات ثنائية مع آباء الطلاب، وكان السؤال الذي أبدأ به غالبًا: «حدثني عن ابنك».

– لم يكن المقصود بالسؤال معرفة التحصيل الدراسي للطالب فقط، وإنما التعرف على حالته الصحية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية، وكل ما يمكن أن يساعد المعلم على فهم شخصية الطالب والتعامل معه بصورة صحيحة.

– كان بعض الآباء يتفاجأون من السؤال، ويقولون: «أحدثك عن ماذا؟»، فأوضح لهم أنني أريد أن أعرف كل ما يمكن أن يساعدني في رعاية ابنهم خلال العام الدراسي.

– فالمعلم الذي يعرف ظروف الطالب يستطيع أن يتعامل معه بوعي، ويتجنب كثيرًا من المواقف التي قد تكون نتائجها مؤلمة، خصوصًا إذا كانت هناك ظروف أسرية أو صحية أو اجتماعية تحتاج إلى مراعاة.

– وفي المقابل، كنت أحرص على أن أكون صريحًا مع الآباء، فأحدثهم عن شخصيتي، وطريقتي في التدريس، وعن قناعتي بأن القيم والأخلاق لا تقل أهمية عن المادة العلمية، بل قد تتقدم عليها.

– التقيت خلال أسابيع بنحو أربعين أبًا، وكان التفاعل إيجابيًا للغاية، وتحولت اللقاءات من اجتماعات عابرة إلى علاقات إنسانية وتربوية امتدت مع بعض الآباء لسنوات.

– وفي تعليم طلاب الصف الأول الابتدائي، كنت أؤكد أن الأولوية في المرحلة الأولى هي إتقان الحرف رسمًا ونطقًا وقراءةً، لأن بناء الأساس الصحيح في السنوات الأولى ينعكس على المسيرة التعليمية للطالب مستقبلًا.

«هل قرأت كتابًا في التربية؟».. سؤال آخر لا يقل أهمية

– كنت أطرح على الآباء سؤالًا آخر: «هل قرأت كتابًا في التربية؟»

– كان عدد من يجيبون بنعم قليلًا جدًا، لكنني كنت أعتبر مجرد طرح السؤال وفتح باب التفكير في القراءة التربوية نجاحًا بحد ذاته.

– وكان بعض الآباء يسألني بحماس: «هل ترشح لنا كتابًا؟»، وكانت فرحتي بهذا السؤال كبيرة؛ لأنني كنت أرى فيه بداية اهتمام حقيقي بالتربية.

– ومن الكتب التي كنت أرشحها لهم: «تربية الأولاد: كيف نجعلها متعة» لعوض خليفة، و**«كيف رباني جدي»** لعابدة العظم.

– الجميل أن اللقاءات كانت تجمع الآباء والمعلم في أجواء من الحوار والحماس، فيدخل بعضهم آباءً ويخرجون أصدقاء، وتستمر العلاقات الإنسانية والتربوية حتى بعد انتهاء العام الدراسي.

المعلم الذي يعرف طلابه.. يستطيع أن يكتشف مواهبهم

– من أجمل ما في العلاقة التربوية أن يعرف المعلم خصائص طلابه، فيقول لولي الأمر: ابنك لديه صفة القيادة، أو ابنك كريم، أو لديه موهبة في الرسم، أو سريع البديهة، أو يعاني من الخجل والانطواء.

– وكان بعض الآباء يتفاجأون من دقة وصف المعلم لابنهم، خصوصًا أولئك الذين لم يستطيعوا الإجابة بشكل دقيق عن السؤال الأول: «حدثني عن ابنك».

– وربما كان السؤال البسيط كافيًا لأن يجعل الأب يعيد اكتشاف ابنه من جديد، ويتأمل في شخصيته ومواهبه واحتياجاته.

– ولهذا أعد هذا السؤال من أنجح الأسئلة التي طرحتها خلال مسيرتي التعليمية، وأسأل الله أن يكون فيما قدمت الخير والأثر.

«شاهدت الفيلم يا أستاذ».. درس في حماية الأطفال

– في أحد الأيام، وبينما كنت أمر بالقرب من أحد الفصول، سمعت طالبًا يناديني من بعيد: «أستاذ.. أستاذ.. شاهدت الفيلم».

– توقفت، ورجعت إليه، واستأذنت المعلم في الدخول، ثم سألته: من أنت؟ وأي فيلم تقصد؟

– أجابني: «أنا خليفة، وطلبت مني أن أشاهد فيلم “لا تلمسني” حتى أحمي نفسي من الغرباء».

– تذكرت أنني قبل أسابيع لاحظت أن خليفة يأتي إلى المدرسة برفقة السائق بمفرده، ولم أكن مرتاحًا لبعض الأمور، فحرصت على توعيته وحمايته من خلال مادة توعوية مناسبة لعمره.

– وعندما أخبرني أنه شاهد الفيلم، طلبت منه أن يحدث زملاءه عما استفاد منه، وأن يعرّفهم بطريقة المشاهدة والاستفادة منه.

– ثم طلبت من الطلاب التصفيق له تشجيعًا، وحثثتهم على نقل الفائدة إلى أقاربهم وأصدقائهم وأهل الحي.

– وحتى حفيدي «سيف»، عندما دخل عامه الأول في المدرسة، أوصيت والدته بأن يستفيد من المادة التوعوية نفسها.

– وهنا يتأكد أن التربية الوقائية لا تنتظر وقوع المشكلة، وإنما تبدأ بالوعي والتوعية والتحصين قبل وقوع الخطر.

«جهد إضافي.. وليس مسكنة إضافية»

– من المواقف التي لا تزال عالقة في ذاكرتي قصة طالب في الصف الأول الابتدائي كان يعاني ضعفًا واضحًا في تعلم الحروف.

– مضت أسابيع من العام الدراسي، والطالب لا يزال لا يميز الحروف من حيث النطق والرسم، بينما كان الفصل الدراسي يقترب من نهايته.

– الصف الأول الابتدائي مرحلة مفصلية في حياة المتعلم، ولذلك كنت أؤمن أن الطالب في هذه المرحلة يحتاج إلى اهتمام كبير من الأسرة والمدرسة والمعلم وكل من يستطيع مساعدته.

– ذات يوم تلقيت اتصالًا من والدة الطالب، وكنت أتوقع أن تبحث معي عن حل لمشكلة ابنها، لكنها أخبرتني أنها تمر بظروف أسرية صعبة، وأنها على وشك الانفصال عن والد الطفل.

– كانت تأمل أن أساعد ابنها على تجاوز العام الدراسي، ووعدت بأنها ستعتني به في الصف التالي.

– تفهمت ظروفها وتعاطفت معها، لكنني قلت لها بوضوح: «ابنك بحاجة إلى جهد إضافي، وليس إلى مسكنة إضافية».

– لم يكن المقصود القسوة، وإنما كان الهدف أن نواجه المشكلة بطريقة عملية، وأن نمنح الطالب الدعم الذي يحتاج إليه بدل الاكتفاء بالتعاطف معه.

– قلت لها إنني سأكون لابنها بمثابة الأب داخل المدرسة، وإننا نحتاج إلى أن نكون أقوى من الظروف، وألا تكون الظروف أقوى منا.

– اتفقنا على خطة عمل، وطلبت حضور خاله إلى المدرسة، وجعلنا الأولوية في تلك المرحلة لإتقان الحروف.

– وبعد أسابيع قليلة، ظهر تحسن ملحوظ في مستوى الطالب.

بعد ست سنوات.. ما زالت القصة مستمرة

– الجميل في هذه القصة أن أحداثها وقعت عندما كان الطالب في الصف الأول الابتدائي.

– أما اليوم، وبعد مرور ست سنوات، فأنا أدرّس الطالب نفسه وهو في الصف السادس.

– وهنا أدرك أن بعض المواقف التربوية لا تنتهي بانتهاء الحصة، ولا بانتهاء العام الدراسي، بل تمتد آثارها سنوات طويلة.

– قد ينسى الطالب درسًا أو معلومة، لكنه غالبًا لا ينسى معلمًا وقف إلى جانبه، وآمن بقدرته، ورفض أن يستسلم لظروفه.

التربية.. إنسان قبل أن تكون منهجًا

– هذه القصص وغيرها تؤكد أن التعليم الحقيقي يتجاوز حدود الكتاب المدرسي.

– المعلم الناجح هو الذي يسأل عن الطالب، ويفهم ظروفه، ويكتشف موهبته، ويعالج ضعفه، ويحميه من المخاطر، ويشجع أسرته على المشاركة في العملية التربوية.

– وليست التربية كلمات تلقى، وإنما مواقف تُمارس، وقرارات تُتخذ، وعلاقات إنسانية تُبنى.

– وربما يكون سؤال بسيط مثل «حدثني عن ابنك» بداية طريق طويل لاكتشاف الطالب وفهمه ومساعدته.

– وفي النهاية، تبقى أجمل ثمار العمل التربوي أن ترى الطالب الذي احتاج إليك يومًا، وقد تجاوز ضعفه، ونما علميًا وشخصيًا، ثم تدرك بعد سنوات أن جهدك لم يذهب سدى.

فالمعلم قد يدرّس طالبًا عامًا واحدًا، لكنه يستطيع أن يترك في حياته أثرًا يمتد أعوامًا طويلة.

Exit mobile version