Site icon صحيفة صدى نيوز إس

بين أمواج البحر.. ماذا علمتنا قطة الشاطئ عن فلسفة السعي؟

✍️محمد فريح الحارثي

لواء متقاعد

نعرف جميعاً أن القطط كائنات برية بامتياز، تترصد طائراً غافلاً، أو تلاحق كائناً صغيراً يتحرك بين الحشائش. مشهد مألوف يمر بنا يومياً فلا نلقي له بالاً، ونراه ضمن الدائرة المعتادة لغريزة البقاء. لكن أن تقف قطة على صخور الشاطئ، وتتأمل الأمواج المتلاطمة، ثم تمد يدها لتقنص سمكة من قلب البحر.. هنا تحديداً يتوقف المألوف، ليبدأ التأمل.في هذا المشهد الاستثنائي، لسنا أمام مجرد لقطة عابرة لحيوان يبحث عن طعامه، بل نحن أمام درس كوني حي يختصر فلسفة “الرزق والسعي” في أنصع صورها.لطالما ارتبط البحر في أذهاننا بالغموض والعمق، وهو بيئة غريبة تماماً على عالم القطط التي تخشى الماء بطبيعتها. ورغم ذلك، لم تمنعها هذه الغرابة من المحاولة. وقفت على الصخر، تراقب وتنتظر، تمد يدها يمنة ويسرة، تخطئ وتصيب، حتى ظفرت برزقها المكتوب في مكان لم يُخلق لأجلها.هذا الموقف يضعنا، نحن البشر، أمام مرآة التوكل الحقيقي. كثيراً ما تضيق بنا السبل، ونظن أن الأبواب مغلقة لأن المعطيات من حولنا تبدو غير مواتية، أو لأن البيئة التي نتحرك فيها لا تشبه طموحاتنا. لكن الحقيقة الإلهية الثابتة تخبرنا بأن الرزق مكفول ومقسوم، لكنه لا يأتي للمنتظرين في زوايا الراحة، بل يذهب لمن يطرق الأبواب، حتى تلك الأبواب التي تبدو مستحيلة كصيد السمك لقطة برية.إن الإيمان في جوهره ليس مجرد كلمات ننطق بها، بل هو يقين دافئ يتجلى في الأخذ بالأسباب. القطة لم تكن تملك ضماناً بأن السمكة ستسبح نحو الصخرة، لكنها امتلكت غريزة السعي فوفقها رب العزة الذي تكفل برزق كل دابة في الأرض.حين نتأمل هذا المشهد، ندرك أن التوكل ليس عجزاً ولا استسلاماً، بل هو حركة مفعمة بالأمل. فإذا كانت قطة على الشاطئ قد علمتنا كيف نثق في تدبير الله ونبحث عن أرزاقنا بجرأة وصبر، فما البال بـالإنسان الذي كُرِّم بالعقل والقدرة؟هي دعوة لنعيد النظر في خطوتنا القادمة؛ أن نسعى، ونحاول، ونمد أيدينا نحو فرصنا بقلب مطمئن، مؤمنين بأن من ساق الرزق لتلك القطة في جوف الموج، لن يضل عنه سعينا أبداً.

Exit mobile version