Site icon صحيفة صدى نيوز إس

حين يأتي الفرج من حيث لا يحتسب المظلوم

 

بقلم الدكتور معدي حسين علي آل حيه

قد يبتلى الإنسان باتهام باطل أو افتراء ظالم يمس دينه أو عرضه أو سمعته، وقد يترتب على ذلك أذى نفسي واجتماعي وربما عقوبة أو سجن. وفي مثل هذه المواقف يحتاج المظلوم إلى الصبر والاحتساب والثقة بأن الله سبحانه وتعالى لا يضيع حق من لجأ إليه، فقد أظهر الله براءة أناس اتُّهموا ظلمًا، وجعل في قصصهم دروسًا عظيمة لكل من ابتلي بالظلم والافتراء.

أولاً: براءة نبي الله موسى عليه السلام

ابتُلي موسى عليه السلام باتهامات من بني إسرائيل بسبب شدة حيائه وتستره، فزعم بعضهم أن في جسده عيبًا يخفيه عن الناس. فأراد الله سبحانه وتعالى أن يظهر براءته بطريقة لا تخطر على بال، فكانت قصة الحجر الذي حمل ثوبه، حتى رأى بنو إسرائيل موسى عليه السلام على الهيئة التي خلقه الله عليها، فعرفوا بطلان ما قالوه فيه.

وتحمل هذه القصة رسالة عظيمة للمظلوم، وهي أن الله قادر على إظهار الحقيقة، ولو بعد أن تنتشر الشائعات والأقاويل، وأن من اتُّهم بغير حق لا ينبغي أن يفقد ثقته بربه.

ثانياً: براءة نبي الله يوسف عليه السلا

تعرض يوسف عليه السلام لاتهام باطل عندما حاولت امرأة العزيز أن تصرف التهمة عن نفسها بعد أن راودته عن نفسه، فادعت أن يوسف هو الذي راودها.

غير أن الله سبحانه وتعالى أظهر براءته بقرينة واضحة، حين شهد شاهد من أهلها بأن اتجاه تمزق القميص يكشف الحقيقة؛ فإذا كان القميص قد قُدَّ من دبر، دل ذلك على أن يوسف كان هاربًا منها، وأنها هي التي تعلقت به.

وهكذا ظهرت براءة يوسف عليه السلام، وإن لم تكن البراءة فورية في جميع مراحل محنته، فقد مر بعد ذلك بابتلاء السجن، لكن الله سبحانه وتعالى جعل العاقبة له، وأظهر مكانته وصدقه.

ثالثاً: براءة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها

من أعظم صور الابتلاء والبراءة ما تعرضت له أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك، حيث شاع عليها البهتان، وكان ذلك من أشد ما يمكن أن يبتلى به الإنسان.

ومع شدة المحنة وطول الانتظار، جاءت براءتها من الله سبحانه وتعالى بآيات تتلى إلى قيام الساعة، لتكون قصتها شاهدًا خالدًا على أن الحق قد يتأخر ظهوره، لكنه لا يضيع عند الله.

وفي قصتها درس عظيم في الصبر والتفويض إلى الله، وأن الشدة مهما عظمت فإن الفرج بيد الله، وأن المصيبة قد تتحول إلى رفعة لصاحبها إذا صبر واحتسب.

رابعاً: براءة جريج العابد

ابتُلي جريج العابد باتهام خطير عندما اتهمته امرأة بالفاحشة، بعد أن حملت من راعٍ ونسبت الطفل إلى جريج. فهاجمه الناس وهدموا صومعته وسبوه.

لكن الله سبحانه وتعالى أظهر براءته بطريقة عجيبة؛ فقد سأل جريج الطفل عن أبيه، فأنطقه الله تعالى ليقول إن أباه هو الراعي.

وتؤكد هذه القصة أن صاحب الصدق مع الله لا تضره الفتن، وأن الله يجعل لعباده عند اشتداد الابتلاء مخارج، وقد يتأخر الفرج لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى.

خامساً: براءة الجارية التي اتُّهمت بالسرقة

من القصص العجيبة قصة جارية اتُّهمت ظلمًا بسرقة وشاح، وتعرضت بسبب ذلك لعذاب شديد، حتى بلغ الأمر حد تفتيشها بحثًا عن المسروق.

وفي شدة كربها، أظهر الله براءتها بطريقة عجيبة؛ فقد جاءت الحدأة بالوشاح الذي خطفته وظنت أنه لحم، ثم ألقته في المكان الذي كانت فيه الجارية ومن اتهموها، فظهر الحق وتبينت براءتها.

وتبرز هذه القصة قدرة الله سبحانه وتعالى على تفريج كرب المظلوم، وأن الأسباب التي يسخرها الله لإظهار الحقيقة قد تكون فوق تصور الإنسان.

سادساً: البراءة قد تأتي عاجلة

هناك من يتهم ظلمًا، ثم لا يطول به البلاء حتى يظهر الله براءته، كما حدث لجريج العابد والجارية التي اتُّهمت بالسرقة.

وهذا يعلم المظلوم ألا يستسلم لليأس، فقد يجعل الله الفرج قريبًا، ويأتي بالحق من طريق لم يكن يتوقعه.

سابعاً: البراءة قد تتأخ

وقد يتأخر ظهور الحقيقة شهورًا أو سنوات، كما وقع لنبي الله يوسف عليه السلام، وكما وقع لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، حين تأخر نزول الوحي في شأنها مدة شهر.

وتأخر الفرج لا يعني غياب العناية الإلهية، بل قد يكون وراءه من الحكم ما لا يدركه الإنسان في لحظته.

ثامناً: قد لا تظهر البراءة في الدنيا

وقد يبتلى الإنسان باتهام ظالم ولا تظهر براءته أمام الناس في حياته، لكن ذلك لا يعني أن حقه قد ضاع؛ فالله سبحانه وتعالى يعلم الحقيقة كاملة، وقد يكون ما أصابه تكفيرًا لذنوبه ورفعة لدرجاته إذا صبر واحتسب.

فالميزان الحقيقي ليس دائمًا ما يظهر للناس في الدنيا، وإنما ما يدخره الله لعبده في الآخرة.

تاسعاً: الصبر سلاح المظلوم

تجمع هذه القصص على معنى عظيم، وهو أن المظلوم لا ينبغي أن يجعل الظلم سببًا لانهياره أو فقدانه الثقة بالله. بل عليه أن يصبر، ويفوض أمره إلى الله، ويسلك الأسباب المشروعة لإظهار الحقيقة، دون أن يقابل الظلم بظلم آخر.

عاشراً: العاقبة للحق

إن قصص موسى ويوسف وعائشة وجريج والجارية المتهمة بالسرقة تؤكد أن الله سبحانه وتعالى قادر على إظهار الحق مهما أحاطت بالمظلوم الاتهامات والشائعات.

وقد يأتي الفرج سريعًا، وقد يتأخر، وقد لا تظهر البراءة في الدنيا، لكن حق المظلوم محفوظ عند الله، وما عند الله خير وأبقى.

الخلاصة

ليس كل مظلوم يرى براءته أمام الناس، وليس كل حق يظهر في الوقت الذي نريده، لكن المؤمن يوقن أن الله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية، وأن الظلم لا يغير الحقيقة، وأن الصبر والاحتساب والثقة بالله من أعظم ما يعين الإنسان على تجاوز المحن.

فإذا اتُّهمت ظلمًا، فلا تجعل كلام الناس يهزمك، ولا تجعل تأخر الفرج يضعف يقينك؛ فقد تكون قصتك التي تؤلمك اليوم سببًا في رفعة شأنك غدًا، والله سبحانه وتعالى أرحم بعباده وأعلم بما يصلح لهم.

Exit mobile version