Site icon صحيفة صدى نيوز إس

حين تأتي النصيحة من قلبٍ يعرفنا

 

بقلم: مزنة بنت سعيد البلوشية

أحيانًا نبحث عن صوتٍ بعيد، نمدّ إليه أسئلتنا وحيرتنا، لأننا نظن أن المسافة تمنح الكلمات شيئًا من الحياد، وأن الغريب حين ينصحنا لا يحمل في حديثه شيئًا من عتاب الأمس، ولا يفتح دفاتر المواقف القديمة. فنصغي إليه بهدوء، ونستقبل كلماته دون أن ندافع عن أنفسنا، وكأننا أمام مرآة لا تعرف عنا سوى ما نخبرها به.

أما القريب… فله حكاية أخرى.

القريب يعرف تفاصيلنا التي نخفيها عن الآخرين، يعرف أيام ضعفنا، ومواضع خوفنا، ويدرك متى تغيّر صوتنا وإن حاولنا أن نبدو بخير. يعرف الطريق الذي مشيناه، والتعثرات التي تجاوزناها، وربما يعرف أخطاءنا أكثر مما نحب أن نتذكرها. لذلك حين تأتي نصيحته، قد لا نستقبلها كما ينبغي، ليس لأنها خاطئة، وإنما لأننا نسمعها بأذنٍ مثقلة بالماضي، ونقرأها من خلال مواقف كثيرة جمعتنا به.

وقد تكون الكلمة نفسها لو جاءت من غريب، لصفقنا لها وأخذنا بها!

وهنا تكمن مفارقة الإنسان؛ أحيانًا لا نرفض النصيحة، بل نرفض صاحبها، أو نرفض الطريقة التي وصلت بها إلينا. نبحث عن كلماتٍ توافق رغباتنا، لا عن كلماتٍ تصحح خطواتنا. نريد من يسمعنا دون أن يختلف معنا، ويؤيدنا دون أن يسألنا: هل كنت على حق؟

لكن الحياة لا تحتاج دائمًا إلى من يربّت على أكتافنا، بل تحتاج أحيانًا إلى يدٍ تمسك بأيدينا وتعيدنا إلى الطريق.

فليست كل نصيحة قاسية دليلًا على قسوة صاحبها، وليست كل كلمة ناعمة دليلًا على صدق قائلها. هناك كلمات تأتي مغلفة باللين، لكنها لا تحمل لنا خيرًا، وهناك كلمات قد تؤلمنا لحظة، لكنها تترك في أرواحنا أثرًا جميلًا لا يزول.

والنصيحة الصادقة ليست في قرب المسافة أو بعدها، وإنما في صدق القلب الذي خرجت منه.

قد ينصحنا غريب لا يعرفنا، فيصيب موضعًا في أرواحنا لم ننتبه إليه، وقد ينصحنا قريب يعرفنا جيدًا، فنغضب من كلماته لأننا لم نكن مستعدين لسماع الحقيقة ممن يعرف حقيقتنا. وبين هذا وذاك، علينا أن نتعلم أن نزن الكلام بحكمته، لا بقرب قائله منا.

فليس كل قريبٍ حكيمًا، وليس كل بعيدٍ غريبًا عن الحكمة.

وأجمل ما يمكن أن نفعله حين تصلنا النصيحة أن نترك لحظة الغضب جانبًا، ونمنح الكلمات فرصة أخرى. نسأل أنفسنا: ماذا لو كان في هذه الكلمة شيءٌ أحتاج أن أسمعه؟ ماذا لو كان من نصحني يرى في طريقي حفرةً لم أرها؟ ماذا لو كان خوفه عليّ أكبر من قدرته على اختيار الكلمات؟

حينها سنكتشف أن بعض العتاب محبة، وأن بعض الاختلاف حرص، وأن بعض الكلمات التي أوجعتنا كانت تحاول أن تحمينا من وجعٍ أكبر.

وفي النهاية، لا نحتاج إلى كثيرٍ من الأصوات حولنا؛ نحتاج إلى صوتٍ صادق، وقلبٍ نقي، ونصيحة لا تحمل في طياتها انتصارًا على أخطائنا، بل رغبة حقيقية في أن نكون أفضل.

فالصديق الحقيقي ليس من يقول لنا دائمًا: «أنت على حق»، بل من يملك شجاعة أن يقول: «توقف… ربما أخطأت الطريق»، ثم يبقى إلى جوارنا حتى نصل.

ولعل أجمل النصائح هي تلك التي تأتي من قلبٍ يخاف علينا، لا من لسانٍ يريد أن ينتصر علينا.

لذلك… حين تأتيك النصيحة، لا تسأل أولًا: من قالها؟

اسأل قلبك: هل فيها ما يصلحني؟

فربما تكون كلمة واحدة، قيلت في وقتها، قادرة على أن تغيّر طريقًا كاملًا…

وربما يكون الإنسان الذي أحببناه لأنه كان صادقًا معنا، هو ذاته من منحنا ذات يوم أقسى الكلمات، وأصدقها، وأبقاها أثرًا في القلب.

Exit mobile version