Site icon صحيفة صدى نيوز إس

عَبَق

 

محمد الرياني

منذُ أن التقيَا صغيرين في الحقل ، هو يزود أباه وهي تزود أباها بالطعام وهو معجب بها ، ملامحها القروية ، صوتها الغرِّيد الذي يشبه تغريد عصفورة الحقل ، خِفَّتُها وهي تتهادى على الساقية ، بسمتُها وهي ترتسمُ في الصباح كوجهِ الربيع ، منذُ الصغر وهو يرى نفسَه فارسَ أحلامِ جميلة .

كبرُ جميلٌ وازدادَ تعلقه بحبِّ ملوخيةِ الحقل التي تنبتُ مع المطر ؛ بينما منظرُ يدِ جميلة وهي تجمعها يزيده حبًّا لهذه الأوراق الخضراء البريِّةِ وطعمها اللذيذ .

ازدادتْ جميلة جمالًا ولم يعد يرى وجهها البريء ، أو ابتسامتها الساحرة ، ومازال صوتُها في ذاكرته عصفورةً شاديةً تلعب في مراتعِ الصبا .

خطبَها وتزوجها وبين فترةٍ وأخرى يذهبان إلى الحقلِ القريبِ ينظران إلى الطفولةِ وإلى الطينِ الذي فقدَ جذورَ الملوخية ، وأصبحَ أطلالًا بلا ملامح .

سافرَ عنها بضعةَ أيامٍ فاشتاقَ إليها ولم يحتملْ عذابَ الغربةِ القصيرةِ فأرسلَ إليها بأن تعدَّ الوجبةَ الخضراءَ التي اعتادها ، وتضيفَ بعضَ التوابل ، وأن تنتظره .

فعلتْ كلَّ ذلك مع اقترابِ وصولِه من أجلِ هذا الجميلِ وأخذتْ ترددُ حولَ اللَّهبِ أنشودةَ الطفولةِ على ضفافِ الحقل .

وصلَ في مَوعدِه واتجهَ إلى ظل شجرةٍ مُعمرةٍ لم تزل خضراءَ من عهدِ الطفولة فجلسَ تحتها ينتظرُها كي تأتي له بالزاد كما كانت تفعل من قبل .

جلسَا تحت الشجرةِ وتناولا الطعام فأخذت تبكي على أبيها الذي كانتْ تزوِّده بالطعامِ في طفولتها .

مسحَ دمعتَها الرقراقةَ بطرفِ إصبعِه برفقٍ وأخذَ يطعمُها بيده وينشدُ لها أهازيجَ الطفولة .

شاهدا على الظلٍّ عصفورين صغيرين أصفرين فتركا لهما الطعامَ وغادرا المكانَ وهو يستروحُ من يدها شيئًا أروعَ من طعمِ الزادِ الأخضرِ وعبقِ الحقل .

Exit mobile version