✍️محمد فريح الحارثي
لواء متقاعد
تنعكس أخلاقيات المجالس ومراتب التقدير فيها على عمق ثقافة المجتمع وتوازنه النفسي. وقد رسمت الأعراف الإسلامية والاجتماعية منظومة متكاملة لآداب الجلوس، غير أن ممارسات خاطئة قد تظهر أحياناً لتفسد هذه الروح، وتُحول أدوات التقدير إلى مواقف محرجة تخلو من الإنصاف.
“الهدي النبوي.. مقاعد بحسب أسبقية الجلوس”
رسم التوجيه النبوي قاعدة ذهبية في المجالس قائمة على احترام الوقت والأسبقية؛ فالعرف النبوي يقضي بأن يجلس الإنسان حيث انتهى به المجلس زمن حضوره، وألا يُقام الرجل من مقعده ليجلس مكانه آخر. والأكثر من ذلك، أكدت السنة أن من قام لحاجة ثم عاد إلى مقعده فهو أحق به, في حفظ واضح لحق المبادرة واحترام الوجود الشخصي دون تمييز أو مفاضلة متكلفة.
“الأعراف الاجتماعية.. تسلسل الوجاهة والتواضع المحمود”
جرت الأعراف الاجتماعية المتداولة على تصنيف مراتب الجلوس في كثير من الأحيان وفق معايير معينة؛ كالوجاهة المالية، أو المكانة الثقافية والعلمية، أو الوجاهة الدينية. وفي المقابل، أنتجت هذه الأعراف سلوكاً نبيلاً يتمثل في إيثار بعض الحاضرين لغيرهم بمقاعدهم إمعانًا في التقدير والمحبة. وهي مشاهد إنسانية يقف لها المجتمع احتراماً طالما كانت قائمة على الرضا الذاتي والتواضع الاختياري المحض.
” خوارم المروءة.. حين يُدار الضيف القادم على حساب المبكر”
تكمن الأزمة الحقيقية التي تتنافى مع مكارم الأخلاق عندما يتجاوز الأمر حدود الإيثار الطوعي إلى الإحراج القسري أمام الحضور واستغلال “حرج الصمت”؛ فكثير من الناس يتنازلون عن مقاعدهم مرغمين، ليس عن طيب خاطر، بل خشية أن يُنظر إليهم بمظهر القصور في حق الضيف.
فأن يقوم صاحب المنزل أو المُضيف بإقامة ضيف جلس باكرًا واحترم الموعد، ليُجلس مكانه أخر حضر متأخراً، فهذا تصرف يقع ضمن خوارم المروءة ويتعارض تماماً مع الهدي النبوي، عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يُقيمَنَّ أحدُكم رجلاً من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن تَوَسَّعوا وتَفَسَّحوا». متفق عليه (البخاري ومسلم).
الأسف كل الأسف حين يتعدى البعض سواء من القادمين متأخراً أو من المُضيف نفسه لفرض واقع مُحرج على من حضروا مبكراً لإخلاء مقاعدهم، متذرعين بأنهم من “أهل الدار”، وأن القادم الجديد يحظى بتقدير استثنائي. هذا السلوك يخلق مفارقة غير إنسانية، وينقلب فيه الكرم والضيافة من مظاهر للاستقبال الراقي إلى أداة لمصادرة الحقوق لمن احترم الزمن وسبق إلى المجلس.
“نحو ثقافة مجالس منصفة.. وحكمة الاحتواء”
إن تقدير الضيوف وتكريمهم لا يكون أبداً بظلم الحاضرين الأوائل ولا بالاستهانة باحترامهم للمواعيد. ليست المشكلة في استقبال القادم الجديد، بل في طريقة إدارتها. فالمضيف الحكيم يمتلك من اللباقة ما يجعله يرحب بالضيف بحرارة بالغة، ويترك إدارة تقدير الشخص المتأخر لمروءة الحضور دون أن يمد يد التغيير إلى مقاعد من سبقوا وحضروا في أوقاتهم.
بهذا التوازن، يبقى التقدير لمن استحق الأسبقية، ويحصل المتأخر على الترحيب الذي يليق به، وتظل المجالس بيئة صحية تسودها المروءة والإنصاف الحقيقي بعيداً عن حسابات الإحراج المفتعل.

