Site icon صحيفة صدى نيوز إس

غربة الأرواح في زمن الانشغال

بقلم د. خلف أحمد الزهراني. 

​فاتحة القول: مقياس القلوب عندما نتحدث عن الغربة فإن هذا الطرح ليس بجديد لم نُسبق إليه، لكنه ربما يأتي من زاوية ولا أزعم أنها جديدة كلياً غير أنها تحتاج إلى مزيد من الإيضاح والتأمل.

​وإنني أنطلق في هذا كله من بيت شعر قلته في إحدى قصائدي

​القرب والبعد بالأرواح نحسبه

ما قرب القلب لا بيت ولا جسد

​وهنا يتضح أنني أريد أن أتسلط بالضوء على “غربة الأرواح في زمن الانشغال وأنا أعي جيداً ما أقول؛ إنه زمن الانشغال بكل ما تحمل الكلمة من معنى: انشغال الأبناء عن الآباء، انشغال الأصدقاء عن بعضهم، بل وحتى الإخوة والأخوات، وربما انشغال الآباء عن أبنائهم وإن كان هذا الأخير بدرجة أقل، لما للأولاد من مكانة عظيمة في قلوب آبائهم.

​لفتة قرآنية عميقة

​ولعل هذا يدبرنا إلى تأمل لفتة قرآنية دقيقة؛ نجد أن الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم كان يوصي الأبناء بآبائهم، ولم ترد وصية للآباء بالأبناء في باب المشاعر والإحسان المتبادل، بل جاء التركيز على أداء الأمانة في التربية والرزق. أما في جانب الإحسان، والعلاقة، وبذل المشاعر، وحتى التلطف في القول والكلمات، فكانت الوصية موجهة من الله سبحانه إلى الأبناء تجاه آبائهم.

​الغربة الحقيقية: زحام بلا دِفء

​أعود إلى جوهر ما أريد الحديث عنه؛ فالحديث عن غربة المشاعر في هذا الزمن أصبح أمراً ملحاً للغاية، ولماذا؟ لما نراه اليوم من كثرة الشكاية من هذا الأمر.

​حين نتأمل، ندرك أن الغرباء ليسوا فقط من كانوا في منفى جغرافي بعيد؛ فهذه الغربة – طالت أو قصرت مصيرها إلى انتهاء. لكن الغربة الحقيقية والموجعة هي أن تعيش بين أهلك، ورفاقك، وفي بلدك، وفي أرض مزدحمة تعج بالبشر، ثم تشعر مع ذلك بغربة الروح!

​هذا الأمر يتعب النفس جداً، ويشعر الإنسان وكأنه يقف على شفير خطر عظيم يهدد صفو حياته وسلامه الداخلي.

​مكمن المشكلة

​ربما يرى البعض أن الحديث عن ذلك هو تهويل لأمر طبيعي يحدث في الحياة بسبب مرحلة التقاعد، أو وفاة الكبار من الأقارب، أو افتراق الأصدقاء بظروف الحياة المعروفة، وأقول: قد يكون هذا الأمر مقبولاً وسبباً في حصول الغربة.

​لكن أن تنتفي هذه الأسباب، بأن يكون الأصدقاء كُثر، والمعارف كثر، والأرض تعج بمن يدب عليها ويسير، ثم يجد الإنسان نفسه غريباً بينهم.. هنا تكمن المشكلة الحقيقية! والتي تعود غالباً إلى ضعف التواصل، أو اختلاف البيئة، أو تباين العوامل المشتركة في التواصل الاجتماعي.

​وعلى الرغم من أنني أرى من خلال قربي من الميدان كثرة الفرق التطوعية التي تعنى بالجانب الاجتماعي كفرق المشاة أو الخدمة التطوعية إلا أنه لا يزال هناك شيء من تلك الغربة ألمسه في من حولي ومن أراهم. لذا، فإننا نحتاج للحديث عن هذا الموضوع إلى البحث في جذر المشكلة حتى نستطيع إيجاد الحلول الناجعة.

​إضاءات نحو الحل

​وإن كان في رأيي أن هذا المقال لا يكفي لاستيعاب الموضوع بكل أبعاده، إلا أنني أقول في عجالة:

​إثراء أسلوب الحياة: إن عناية الإنسان بأسلوب حياته من حيث الجانب الرياضي والاجتماعي والثقافي، والتنويع في الهوايات قد يكون حلاً جوهرياً لإزالة هذه الغربة.

​برامج بسيطة ومستدامة: إعداد برامج يسيرة لا تتسم بالتعقيد أو الآليات المتعبة خصوصاً لمن ترك العمل أو من في حكمهم ممن لا يحبون القيود بحيث تلامس احتياجاتهم وتقرب الجانب الاجتماعي دون تكلفة مادية أو زمنية أو ذهنية مرهقة.

​أتمنى فعلاً أن يكون هذا الطرح البسيط بوابة للحديث عن غربة الروح التي قد تؤدي إلى عزلة، أو لا سمح الله – إلى حدوث حالات من الضيق النفسي عندما لا يجد الإنسان طريقاً للتنفيس عما بداخله من خلال رفقة طيبة وأنشطة مناسبة.

Exit mobile version