عبدالله شراحيلي
ليس دفءُ القلوب أن تلتقي الوجوه فتتبادل الألسنة عباراتِ التحية، ثم يمضي كلُّ امرئٍ إلى شأنه؛ وإنما الدفء أن تلتقي الأرواح، فتأنسَ روحٌ بروح، ويجد المتعبُ في قربك راحةً، والحزينُ في كلماتك نافذةً صغيرةً يدخل منها النور.
ولقد رأيتُ في الناس قلوبًا تشبه البيوت؛ منها ما إذا دخلته أحسستَ أنك غريب، ولو طال مقامك، ومنها ما إذا أقبلتَ عليه استقبلك كما تستقبل الأرضُ أولَ المطر، فلا تسألك من أين جئت، ولا لماذا أتيت، وإنما تفتح لك أبوابها، وتقول لك في صمتها: هنا مكانك.
وما أعجب الإنسان! قد يملك من الدنيا ما يملأ خزائنها، ثم يظلُّ فقيرًا إلى كلمةٍ صادقة، وإلى يدٍ تربت على كتفه، وإلى قلبٍ يقول له في ساعة انكساره: لا تخف، لست وحدك.
إن في الحياة جراحًا لا يراها الطبيب، وآهاتٍ لا تسمعها الآذان، ودموعًا تسكن خلف ابتسامةٍ متماسكة. وما أكثر الذين يمشون بيننا بكامل أناقتهم، وفي أعماقهم حطامُ أيامٍ لا يعلم به إلا الله.
فكن رحيمًا بالقلوب؛ فإنك لا تعلم أيَّ قلبٍ تقابل، ولا أيَّ معركةٍ يخوضها ذلك الذي ابتسم لك. لا تجعل كلمتك سهمًا في صدر إنسان، فقد تنسى أنت ما قلت، ويبقى هو أعوامًا يتذكر كيف أوجعته.
وكن، إذا استطعت، ذلك الإنسان الذي إذا ضاقت الدنيا على أحدهم اتسع له قلبك، وإذا أثقلته الحياة خففت عنه بكلمة، وإذا غلبه الحزن لم تزد حزنه بالسؤال، بل منحته من صمتك ما يمنحه الليلُ للمتعب من سكينة.
إن أجمل الناس ليس أكثرهم حديثًا عن المحبة، وإنما أكثرهم رحمةً بها؛ وليس أكرمهم من يعطي المال، وإنما من يعطي من وقته وقلبه واهتمامه دون أن ينتظر جزاءً ولا ثناء.
ولستَ تدري لعلَّ كلمةً منك تُقال عابرةً، تكون عند إنسانٍ آخر نجاةً من حزنٍ طويل؛ ولعل ابتسامةً منحتها في الطريق كانت عند صاحبها دليلًا على أن الدنيا لم تُغلق أبوابها كلها.
فيا أيها الإنسان، إذا عجزتَ أن تمنح الناس شيئًا، فلا تعجز عن أن تمنحهم قلبًا لا يؤذي، ولسانًا لا يجرح، ونفسًا إذا اقترب منها المتعب وجد فيها شيئًا من الأمان.
فالدنيا، مهما اتسعت، أضيق من أن نملأها بالخصام، وأقصر من أن نهدرها في القسوة. وما أجمل أن يرحل الإنسان منها وقد ترك وراءه قلوبًا تدعو له، وأرواحًا تذكره بالخير، وذكرياتٍ كلما مرَّ بها الزمن ازداد صاحبها جمالًا في الذاكرة.
دفء القلوب هو أجمل ما يملكه الإنسان؛ لأن القلب الدافئ لا يضيء لصاحبه وحده، بل يترك في عتمة الآخرين قبسًا من نور.
فازرعوا الدفء حيثما حللتم، فإن بعض القلوب لا تريد من الحياة أكثر من إنسانٍ واحدٍ يقول لها بصدق:
«أنا أشعر بك… وأنا هنا.»

