بقلم: فايل المطاعني الحكواتي
دائمًا كانت الأعياد فرحة وبهجة للنفس والخاطر، والحقيقة أنني من الناس الذين يحبون الاحتفال بالأعياد، حتى لو كان عيد الشجرة!
المهم عندي أن هناك عيدًا… والسلام.
فالحياة، في رأيي، تحتاج إلى بعض الأسباب الصغيرة التي تجعلنا نفرح، حتى لو لم تكن الأسباب كبيرة بما يكفي لتدخل كتب التاريخ.
واليوم سأخبركم عن أجمل عيد ميلاد احتفلت به، وكان عمري وقتها أربعة عشر عامًا.
كان ذلك العيد مختلفًا عن كل أعياد ميلادي السابقة؛ لأن عائلتي كانت موجودة كلها تقريبًا.
وتعرفون أن والدي، رحمه الله، كان متعدد الزيجات، ولذلك كان اجتماعنا جميعًا كعائلة واحدة يحتاج أحيانًا إلى ترتيبات تشبه ترتيبات المؤتمرات الدولية!
وربما نسيت أن أخبركم أن والدي كان أيضًا يشبه ابن بطوطة من كثرة أسفاره وتنقلاته، حتى إننا كنا أحيانًا نحتاج إلى خريطة كي نعرف أين يمكن أن نجده!
لكن ذلك اليوم كان استثنائيًا.
اجتمعت العائلة للاحتفال بعيد ميلادي، وكان الفرح يملأ المكان.
نحن نقدّس العائلة، وبرغم أننا لسنا جميعًا من أم واحدة، فإننا كإخوة كنا متحدين، تجمعنا المحبة، وتربطنا تلك الأشياء التي لا تستطيع الأسماء ولا اختلاف البيوت أن تلغيها.
وكانت المفاجأة الكبرى يومها هي كيكة عيد الميلاد بتقنية الصور.
كانت أول مرة نشاهد فيها صورة الشخص مطبوعة على الكيكة!
وطبعًا، عندما أحضروا السكين لتقطيع الكيكة، حدث ما لم يكن في الحسبان.
صرخت والدتي:
«لا تقطعوا من رقبته!»
وهنا بدأت المسرحية العائلية!
وكان أخي الأصغر مني، أبو محمد، والذي كنا نسميه «الحاج متولي»، يتعمد في كل مرة أن يأتي بالسكين ويتجه بها مباشرة نحو رأسي المطبوع على الكيكة.
والحاج متولي، بالمناسبة، شخصية تستحق أن تكون لها مذكرات مستقلة؛ فقد استطاع أن يتفوق على والدي في عدد الزيجات، فتزوج أربع مرات، وما زال على قيد الحياة!
وهذه وحدها معجزة تستحق أن تدخل موسوعة الحكواتي!
كان كلما اقترب بالسكين من رأسي صرخت والدتي، وانفجرت القاعة بالضحك.
أما أنا فكنت أنظر إلى صورتي فوق الكيكة وأفكر:
هل أحتفل بعيد ميلادي أم أحتفل بنجاتي من عملية قطع الرأس؟
وأمام إصرار الحاج متولي، قررت والدتي أخيرًا أن تستبدل كيكة الصورة بالكيكة العادية.
وهكذا نجوت!
ومنذ ذلك اليوم عرفت أن بعض الصور لا ينبغي وضعها على الكيك… خصوصًا إذا كان لديك أخ يحب المزاح بالسكين!
أما علاقتي بالهدايا، خصوصًا هدايا أعياد الميلاد، فهي تشبه علاقتي بكتابة مذكراتي؛ أحبها، وأحتفظ بتفاصيلها، وأتذكر أصحابها حتى بعد مرور السنوات.
وأول هدية ما زلت أتذكرها جيدًا جاءتني من أخي الكبير، رحمه الله، أبو أحمد.
كانت ساعة ساحرة من نوع:
Hublot Classic Fusion
وكانت من أجمل الهدايا التي وصلتني في ذلك العمر.
والأجمل من الساعة أنها جاءت من أخي الكبير.
وما زلت أحتفظ بها إلى اليوم.
فالهدية مع مرور الزمن تفقد أحيانًا قيمتها المادية، لكنها تزداد قيمة من الناحية العاطفية؛ لأن الأشياء عندما ترتبط بشخص نحبه، تصبح أكثر من مجرد أشياء.
تصبح ذاكرة.
وتصبح قطعة من زمن لن يعود.
أما والدتي، رحمها الله، فأهدتني كتبًا للكاتب المصري الكبير نجيب محفوظ.
كانت أمي تحب الكتب، ويبدو أن حب القراءة كان من الأشياء التي ورثتها عنها.
كنت أتمنى بصراحة أن تكون الوراثة في شيء أكثر ربحًا!
مجوهرات مثلًا…
ذهب…
عقارات…
لكن «نبع الحنان» قرر أن يورثني حب الكتب!
وما علينا…
ربما كانت تعرف أن الذهب ينتهي، أما الكتاب فيبقى يرافقك سنوات طويلة.
ومن الكتب التي ارتبطت بذكريات تلك المرحلة أعمال نجيب محفوظ، ومن بينها مجموعته القصصية «همس النجوم».
وقد تعلمت من أمي أن الكتاب هدية لا تنتهي صلاحيتها، فكلما فتحت صفحاته بعد سنوات، وجدت نفسك تقرأه بعين جديدة، لأن الذي تغيّر ليس الكتاب… بل أنت.
لكن أجمل هدية في حياتي ربما كانت أبسطها.
كانت من أختي الصغيرة.
أهدتني كوب شاي زجاجيًا.
ولا أعرف حتى اليوم لماذا اختارت كوب شاي تحديدًا!
ربما كانت تعرف أن الحكواتي سيصبح يومًا ما رجلًا يحتاج إلى كوب شاي حتى يكمل حكاياته!
لكن ذلك الكوب بقي معي.
وما زلت محتفظًا به إلى الآن.
وقبل أن ترحل، قالت لي:
«لا تنساني… وكلما غبتُ عنك، تذكر كوب الشاي الذي أهديته لك.»
هذه العبارة لم تغادرني.
ومن يومها لم يعد الكوب مجرد كوب.
أصبح أختًا تسكن في الذاكرة.
أصبح صوتًا يأتي من الماضي كلما أمسكت به.
وهنا تعلمت أن قيمة الهدية ليست في حجمها ولا في سعرها؛ فقد تكون أغلى هدية في حياتك شيئًا بسيطًا جدًا، لكنه يحمل صوت إنسان لم يعد موجودًا أمامك.
وعندما كبرت ودخلت الجامعة، بدأت الهدايا تزداد.
كتب…
ورود…
وأشياء جميلة تحمل معها مشاعر أصحابها.
وطبعًا كان لصديقي أبو عيون خضراء نصيب الأسد من الهدايا!
وبحكم أنه صديقي، كان يعرف جيدًا ماذا يعجبني.
فالصديق الحقيقي لا يحتاج إلى أن تسأله: ماذا أحب؟
هو يعرف.
وكانت آخر هدية منه كتاب «بيت خالتي».
وهناك أيضًا شخصية نسائية من أبوظبي أهدتني مجسمًا لأهرامات الجيزة مصنوعًا من الكريستال.
وهدية أخرى جاءتني من عشتار العراق، وكانت مجموعة من العسل العراقي الفاخر.
وهكذا أصبحت الهدايا مع مرور السنوات جزءًا من أرشيف حياتي.
كل هدية لها قصة…
وكل قصة لها صاحب…
وكل صاحب ترك شيئًا منه في ذاكرتي.
واليوم، بعدما أصبحت الحكواتي، أصبحت الهدايا تأخذ شكلًا آخر.
هناك شخصيات نسائية كثيرة أهدتني هدايا جميلة، وكل هدية منها تحمل تقديرًا للحكواتي ولما يقدمه من حكايات.
وأنا لا أنظر إلى الهدية باعتبارها شيئًا ماديًا.
أنا أراها رسالة.
رسالة تقول:
«تذكرتك… وأردت أن أترك لك شيئًا مني.»
وهذه أجمل هدية يمكن أن يحصل عليها الإنسان.
وفي النهاية، تبقى أعياد الميلاد أجمل من مجرد رقم يضاف إلى العمر؛ فهي فرصة نلتفت فيها إلى الوراء، فنرى من أحببناهم، ومن رحلوا، ومن تركوا في حياتنا هدية أو كلمة أو ذكرى لا تموت.
فالساعة تمضي، والسنوات تمضي، ونحن نمضي معها… لكن بعض الذكريات تأبى أن تمضي.
ساعة من أخٍ رحل، وكتاب من أمٍّ أحبت الكتب، وكوب شاي من أختٍ قالت لي قبل رحيلها: «لا تنساني»… أشياء بسيطة في نظر الآخرين، لكنها بالنسبة لي صفحات من العمر لا يمكن تمزيقها.
وهكذا تعلمت أن أجمل الهدايا ليست دائمًا أغلاها ثمنًا، بل أكثرها قدرة على البقاء في القلب.
وفي عيد ميلادي هذا، لا أعدّ السنوات التي مضت، بل أعدّ الحكايات التي تركتها تلك السنوات في داخلي.
وأقول للزمن: خذ من عمري ما شئت، لكن اترك لي ضحكتي، وذاكرتي، وحكاياتي… واترك لي أيضًا قليلًا من الوقت حتى أزعجكم بمذكرات جديدة!
وإلى أن نلتقي في حكاية أخرى…
دمتم بخير ومحبة وفرح،
مع تحيات الولد الشقي سابقًا…
الحكواتي حاليًا.

