بقلم الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان
القلبُ الذي يعيشُ في صراعٍ دائمٍ مع الآخرين لا يذوقُ طعمَ السكينة، ولا يعرفُ للراحةِ طريقًا. فالسعادةُ الحقيقيةُ لا تُقاسُ بغيابِ المشكلات، وإنما بقدرةِ الإنسانِ على حمايةِ سلامِه الداخليِّ وسطَ تقلُّباتِ الحياةِ واختلافاتِ الناس.
يبني الإنسانُ في داخله مساحةً من الهدوءِ والاتزان، تترفّعُ عن الخصوماتِ الصغيرة، وتتجاوزُ ما لا يستحقُّ أن يُستنزفَ من أجلهِ العمرُ والمشاعر. فليس كلُّ خلافٍ يستحقُّ مواجهةً، ولا كلُّ كلمةٍ تستحقُّ ردًّا، ولا كلُّ موقفٍ يستحقُّ أن نحملَ أثرَه معنا طويلًا.
المسامحةُ ليست ضعفًا، والتغافلُ ليس عجزًا، بل هما من علاماتِ القوةِ والنضجِ النفسيِّ؛ لأن الإنسانَ الواعي لا يسمحُ للأحداثِ العابرةِ أن تستوليَ على قلبِه، ولا يمنحُ الآخرينَ سلطةً على راحتهِ وسكينتهِ. إضاءة: لا تحمِ قلبَك من الناسِ بالابتعادِ عنهم، بل احمِه من أثرِهم بأن تجعلَ سلامَك الداخليَّ أقوى من إساءاتهم.
حين يُطهّرُ الإنسانُ قلبَه من رواسبِ النزاعاتِ والحقدِ والضغينة، تصبحُ مساحاتُه الداخليةُ أكثرَ نقاءً، وتغدو مهيأةً لسكنى الفرحِ والرضا والطمأنينة.
تأملات (321–330)
* 321. الثقةُ باللهِ تعالى تُغني القلبَ عن الخوفِ من انقطاعِ الأسبابِ؛ فإذا انقطعتْ حبالُ الخلقِ، فإن حبلَ اللهِ تعالى متينٌ، ومن وثقَ به فتحَ اللهُ له أبوابًا من الخيرِ لم تكنْ في الحسبان.
* 322. الهدوءُ النفسيُّ يعزّزُ القدرةَ على ضبطِ النفسِ عند الاستفزازِ؛ فكن كالنخلةِ يُرمى إليها بالحجرِ فتردُّ بالثمرِ، واجعلْ سكينتَك أقوى من إساءةِ المسيءِ.
* 323. الرضا بقضاءِ اللهِ تعالى يمنحُك القوةَ عند ضيقِ المسكنِ؛ فالسعادةُ لا تُقاسُ بسعةِ الجدرانِ، وإنما بسعةِ القلبِ، وكم من بيتٍ صغيرٍ ملأه الرضا بالدفءِ والبهجةِ!
* 324. السكينةُ القلبيةُ ثمرةٌ لتركِ التفاخرِ بالمظاهرِ؛ فالجمالُ الحقيقيُّ جمالُ العملِ والتقوى، والراحةُ تسكنُ في حياةٍ بسيطةٍ صادقةٍ، لا في مظاهرَ تُرهقُ صاحبَها وتستنزفُ قلبَه.
* 325. القربُ من اللهِ تعالى يمنحُ الإنسانَ قوةَ الاعتدالِ؛ فلا إفراطَ ولا تفريطَ، فالتوازنُ في المشاعرِ والأفكارِ والأقوالِ والأفعالِ ثمرةٌ من ثمارِ الصلةِ باللهِ تعالى.
* 326. صفاءُ القلبِ للهِ تعالى يورثُ التوفيقَ في البرِّ بالوالدينِ؛ فالنيةُ الخالصةُ تجعلُ خدمتَهما لذّةً، وبرُّهما بابٌ عظيمٌ من أبوابِ السعادةِ والبركةِ، ودعواتُهما الصادقةُ كنزٌ لا يُقدَّرُ بثمن.
* 327. الامتنانُ للهِ تعالى يحفظُ الروحَ من الاستسلامِ لتوقُّعِ الفشلِ؛ فالشاكرُ يحسنُ الظنَّ بربِّه، ومن أحسنَ الظنَّ باللهِ تعالى امتلأ قلبُه أملًا، وسعى إلى النجاحِ بعزمٍ وطمأنينة.
* 328. الوعيُ باللهِ تعالى يُهذِّبُ رغبةَ السيطرةِ على الآخرين؛ فاتركْ للناسِ مساحةَ الاختيارِ، وانشغلْ بإصلاحِ نفسِك وتقويمِ سلوكِك، تجدْ راحةَ القلبِ وتكسبْ احترامَ الآخرين.
* 329. السعادةُ الحقيقيةُ تظهرُ في السكينةِ الروحيةِ عند الوفاءِ بالوعدِ؛ فالصدقُ في الوعدِ من مكارمِ الأخلاقِ ومروءةِ المؤمنِ، وسعادةُ الإنسانِ في وفائه بما وعدَ لا تعدلُها لذةٌ عابرة.
* 330. كلُّ بلاءٍ يقعُ بقضاءِ اللهِ تعالى يحملُ للإنسانِ فرصةً للصبرِ والاحتسابِ ورفعةِ الدرجاتِ؛ فلا تدعِ الكدرَ يهزمُ قلبَك، واصبرْ واحتسبْ، وأحسنِ الظنَّ باللهِ تعالى، فبعدَ العسرِ يُسرٌ، ومع الصبرِ يأتي الفرجُ.
رسالةُ المقال:
السلامُ الداخليُّ ليس حياةً بلا خلافات، وإنما قلبٌ يعرفُ متى يتجاوز، ومتى يصمت، ومتى يسامح، ومتى يبتعدُ عن النزاعِ دونَ أن يحملَ في داخلهِ حقدًا أو ضغينة.
فليس من الحكمةِ أن نخوضَ كلَّ معركةٍ تُفتحُ أمامنا؛ بعضُ المعاركِ يكسبُها الإنسانُ حين يترفعُ عنها، وبعضُ الخصوماتِ تنتهي حين نختارُ ألّا نمنحَها من وقتِنا ومشاعرِنا أكثرَ مما تستحق.
خاتمةُ المقال:
السلامُ الحقيقيُّ لا يبدأ من العالمِ من حولنا، بل يبدأُ من أعماقِ القلبِ؛ حين نختارُ ألّا نكونَ أسرى للخصوماتِ، ولا ضحايا للغضبِ، ولا رهائنَ لما يقوله الآخرونَ أو يفعلونه.
احمِ قلبَك بالتغافلِ عن الصغائرِ، وبالمسامحةِ عند المقدرةِ، وبالابتعادِ عن كلِّ نزاعٍ يستنزفُ طاقتكَ دونَ فائدة. واجعلْ علاقتَك باللهِ تعالى مصدرَ قوتِك وطمأنينتِك؛ فالقلبُ إذا امتلأ يقينًا ورضًا، ضاقتْ فيه مساحاتُ الغضبِ، واتسعتْ فيه مساحاتُ الرحمةِ والعفوِ والسلام.
وتذكّرْ أن راحةَ القلبِ ليست في أن ينتصرَ الإنسانُ في كلِّ خلاف، بل في ألّا يخسرَ نفسَه وهو يحاولُ الانتصار. فالسلامُ ليس أن تخلو حياتُك من الخلافاتِ، بل أن تملكَ قلبًا لا تسمحُ للخلافاتِ أن تسلبَه سلامَه.
موعدنا القادم:
نلتقي بكم يوم الإثنين القادم -بإذن الله تعالى- في محطةٍ جديدةٍ من محطاتِ سلسلة “حياتك السعيدة”؛ لنواصلَ معًا رحلةَ التأملِ في معاني الحياةِ، وبناءِ الذاتِ، وصناعةِ السعادةِ والطمأنينة.
نسألُ اللهَ تعالى أن يجعلَ ما نكتبه ونقدّمه نافعًا، وأن يملأ قلوبَنا سكينةً ورضًا، ويجعلَ أيامَنا عامرةً بالخيرِ والسعادةِ والسلام. عليكم ورحمة الله وبركاته.

