جدة – محمد آل حمود الغامدي
لم تعد الأجهزة الإلكترونية مجرد وسيلة للترفيه أو التعلّم، بل أصبحت في حياة كثير من الأطفال عالمًا يستهلك ساعات يومهم، ويبعدهم تدريجيًا عن محيطهم الأسري. ففي الوقت الذي يجلس فيه أفراد العائلة تحت سقف واحد، يعيش كل طفل خلف شاشة صغيرة، حاضرًا بجسده وغائبًا بفكره ومشاعره.
الإفراط في استخدام الهواتف والأجهزة اللوحية لا يسرق وقت الطفل فحسب، بل قد يحرمه من جوانب مهمة في طفولته؛ كالحوار مع والديه، واللعب مع إخوته، وممارسة النشاط البدني، وبناء المهارات الاجتماعية. ومع مرور الوقت قد يتحول هذا الانشغال إلى عزلة رقمية، وضعف في التواصل، وتوتر عند محاولة سحب الجهاز منه.
ولا تقع المسؤولية على الطفل وحده؛ فالأسرة هي القدوة الأولى. فمن الصعب إقناع الأبناء بالابتعاد عن الشاشات وهم يرون الكبار منشغلين بها طوال الوقت. لذلك يبدأ الحل من تنظيم استخدام الأجهزة داخل المنزل، وتحديد أوقات خالية من الهواتف، خصوصًا أثناء الوجبات واللقاءات العائلية وقبل النوم، مع توفير بدائل ممتعة كالرياضة والقراءة والرحلات والألعاب الجماعية.
كما أن المنع المفاجئ أو العقاب القاسي قد لا يحقق النتيجة المطلوبة، بينما يساعد الحوار الهادئ والاتفاق على قواعد واضحة ومناسبة لعمر الطفل في بناء استخدام متوازن وآمن للتقنية.
إن التقنية نعمة حين نحسن توظيفها، لكنها قد تتحول إلى جدار صامت يفصل الطفل عن أسرته إذا غابت الرقابة والقدوة. فأطفالنا لا يحتاجون إلى أجهزة أحدث بقدر حاجتهم إلى وقت صادق، وحوار دافئ، وأسرة تشاركهم تفاصيل طفولتهم قبل أن تسرقها الشاشات.

