Site icon صحيفة صدى نيوز إس

من رائحة الدخان سيخرج الريحان… الجزائر لا تنكسر

بقلم : كمال فليج _ الجزائر

إلى كل من اختار الشماتة في حرائق الجزائر، وإلى كل من وجد في دخانها فرصة للتشفي والسخرية، نقولها بوضوح: أنتم لا تعرفون الجزائر.

النار تحرق الغابة، لكنها لا تحرق شعبًا تربى على التضامن، ولا تمحو ذاكرة وطن سُقي ترابه بدماء الشهداء. قد تتفحم الأشجار، وقد تتحول مساحات خضراء إلى رماد، وقد تخنق سحب الدخان سماء مدننا، لكن الجزائر لا تتحول إلى رماد.

من رائحة الدخان سيخرج عبق الريحان.

هذه الأرض عرفت النار قبل أن يعرفها الشامتون، وعرفت الدم قبل أن يتعلموا معنى الوطن. غابات الجزائر ليست مجرد أشجار، وترابها ليس مجرد تراب. وراء كل شجرة ذاكرة، ووراء كل جبل حكاية، وفي كل شبر من هذه الأرض أثر من تضحيات رجال ونساء صنعوا وطنًا لا يُقاس بعدد الأشجار التي احترقت، بل بعدد القلوب التي بقيت واقفة.

اليوم، حين تشتعل الحرائق، يشتعل معها معدن الجزائريين الحقيقي. رجال الحماية المدنية في الميدان، أفراد الجيش والدرك والشرطة، أعوان الغابات، المتطوعون، وسكان المناطق المتضررة، الجميع في مواجهة النار. هناك من يحمل خرطوم المياه، ومن ينقل العائلات، ومن يفتح بيته للمتضررين، ومن يغامر بحياته لإنقاذ شجرة أو حيوان أو إنسان.

هؤلاء هم وجه الجزائر.

أما الشماتة، فليست موقفًا ولا بطولة. هي سقوط أخلاقي أمام مأساة إنسانية لا تفرق بين منطقة وأخرى، ولا بين غني وفقير، ولا بين من يؤيد هذا أو يختلف مع ذاك.

الجزائر اليوم جسد واحد. إذا احترقت غابة في جيجل، تألمت بجاية. وإذا أصاب الضرر ميلة، تحركت عنابة. وإذا بكى بيت في منطقة، بكت معه الجزائر كلها.

نحترق، نعم. نتألم، نعم. نخسر أشجارًا ومساحات وذكريات، نعم. لكننا لا نفترق.

والذين يراهنون على انكسار الجزائر، عليهم أن يتذكروا جيدًا: هذه البلاد خرجت من أعظم الحرائق أقوى مما كانت. وكلما حاولت النار أن تبتلعها، وجدت شعبًا يطفئها بيده، ويعيد زرع الأرض من جديد.

رحم الله من فقدناهم في هذه الحرائق، وحفظ رجال الإنقاذ والمتطوعين، وحفظ الجزائر من كل سوء.

سنزرع ما احترق، وسنعيد للغابات خضرتها، وستبقى الجزائر واقفة.

ومن بين الرماد سيخرج الريحان.

Exit mobile version