Site icon صحيفة صدى نيوز إس

مذكرات رجل مشاغب

 

الولد الشقي سابقًا

من مجلة ماجد إلى الجريمة والعقاب

رحلة الحكواتي مع الكتب والكتّاب

بقلم: فايل المطاعني الحكواتي

هناك أصدقاء يدخلون حياتنا ثم يرحلون، وهناك أصدقاء لا يرحلون أبدًا، حتى لو مرّت عشرات السنين… ومن أجمل هؤلاء الأصدقاء الكتاب.

فالكتاب لا يسألك عن عمرك، ولا عن شكلك، ولا عن مزاجك، ولا حتى عن عدد المرات التي أهملته فيها فوق الطاولة!

يفتح لك صفحاته كل مرة وكأنه يقول لك: تعال، عندي لك حكاية جديدة.

أما رحلتي أنا مع الكتب، فقد بدأت منذ أن تفتحت عيناي على الدنيا… أو بالأصح، منذ أن تفتحت عيناي على مجلة ماجد الإماراتية.

كانت والدتي، رحمها الله، تأتي كل صباح أربعاء بتلك المجلة الجميلة، وتضعها فوق مخدتي. وكنت أنتظر يوم الأربعاء وكأنه عيد أسبوعي، فما إن أرى «ماجد» حتى تبدأ الرحلة.

وكنا نردد كلمات الأنشودة:

«يلا يا موزة معنا

أنتِ وحصة وراشد

نجري نشتري ماجد»

كانت «ماجد» بالنسبة لي أكثر من مجلة أطفال؛ كانت بوابتي الأولى إلى عالم الحكايات والشخصيات والمغامرات، ومنها بدأت علاقتي الطويلة مع الورق والحبر والخيال.

ومع مرور السنوات، كبرت مجموعتي القصصية، ولم تعد «ماجد» وحدها تكفيني.

دخلت عالم المغامرين الخمسة، وتعرّفت إلى تختخ ومحب ولوزة وعاطف ونوسة، وأصبحت أعيش معهم المغامرات وكأنني واحد من أفراد الفريق.

 

وبعدها جاء الرجل المستحيل، وهنا بدأت الحكاية تأخذ منحى آخر.

 

كانت الكتب عالمي الذي أسبح فيه، وكلما قرأت كتابًا شعرت أنني سافرت إلى مكان جديد، من دون حقيبة سفر، ولا تذكرة طائرة، ولا حتى موظف جوازات يسألني: «وين رايح؟»

ومع مرور الوقت، كبرتُ… وكبرت معي الكتب التي أبحث عنها.

أبحرت مع الكاتب السوداني حسن نجيلة، وخصوصًا في كتابه الجميل «رحلتي في بلاد العرب»، وكان هذا الكتاب له تأثير خاص فيّ.

فكلما كبرت، وكلما ذهبت إلى بلد عربي، كنت أقول في داخلي:

أنا زرت هذا البلد… وهذا الفصل قرأته في كتاب حسن نجيلة!

وهكذا أصبحت الكتب بالنسبة لي جواز سفر آخر، لكنه جواز لا يحتاج إلى ختم ولا تأشيرة.

وطبعًا، كنت وما زلت من أشد المعجبين بالكاتب الكبير إحسان عبد القدوس.

وكثير من الناس يقولون لي:

«أنت تكتب عن المرأة بطريقة تشبه إحسان عبد القدوس، وقلمك قريب من قلمه.»

وأنا بصراحة لا أزعج من هذه المقارنة، بل أسعد بها، لأن إحسان عبد القدوس واحد من الكتّاب الذين أحببتهم وقرأت لهم كثيرًا.

وربما تكون بداياتي قد تأثرت قليلًا بأسلوبه، خصوصًا في الكتابة عن المرأة والمشاعر والعلاقات الإنسانية، لكنني مع الوقت حاولت أن أصنع لنفسي خطًا خاصًا وشخصية خاصة في الكتابة.

ومن القصص التي أشعر أن هذا التأثير ظهر فيها قصة «حكاية أمل»، وهي من القصص التي أحبها، وأتمنى ممن لم يقرأها أن يمنحها فرصة.

ثم بدأت رحلتي تأخذ طريقًا آخر…

الجرائم!

وهنا دخلت إلى عالم الرائعة أجاثا كريستي.

كنت أقرأ قصصها بشغف، وأحاول أن أسبق المحقق في اكتشاف القاتل… وفي أغلب الأحيان كان القاتل يسبقني أنا!

ومن شدة تأثري بهذا العالم، كتبت أول قصة بوليسية لي بعنوان

«جريمة على شاطئ العشاق».

نعم، قد يجد القارئ فيها بعض الملامح التي تذكّر بأجواء أجاثا كريستي، وهذا طبيعي، فالكاتب في بداياته يتأثر بمن يحب ويقرأ لهم، لكنني حاولت أن أضع فيها أيضًا شخصية فايل المطاعني وطريقتي الخاصة في الحكي.

ومع مرور السنوات، تعمقت أكثر في عالم الكتب.

وكلما كبرت، شعرت أن ذائقتي تتغير، وأن العقل نفسه يبدأ في البحث عن الكتب التي تناسب مرحلته العمرية والفكرية.

انتقلت بين الأدباء والكتب، وقرأت طه حسين، وعباس محمود العقاد، وخالد محمد خالد، ونوال السعداوي، والدكتورة عائشة عبد الرحمن «بنت الشاطئ»، والكثير والكثير من الأدباء العرب.

ثم فتحت أبواب الأدب العالمي، فقرأت للأديب الإنجليزي الكبير تشارلز ديكنز، وأبحرت مع الفرنسي ألكسندر دوما، صاحب «الفرسان الثلاثة»، وعشت أجواء الأدب الروسي مع العملاق فيودور دوستويفسكي، صاحب «الجريمة والعقاب».

وهكذا وجدت نفسي أنتقل من تختخ والمغامرين الخمسة إلى دوستويفسكي!

وأعتقد أن تختخ لو عرف أين انتهيت، لقال لي:

«يا فايل… أنت أخذت الموضوع أبعد منا بكثير!»

والجميل في هذه الرحلة أنني لم أكن أقرأ الكتب فقط، بل كنت أتعلم من أصحابها كيف يمكن للكلمة أن تصنع عالمًا كاملًا.

والأجمل من ذلك كله أنني اليوم ألتفت حولي فأجد أن هناك كتّابًا وأدباء عمانيين كنت أقرأ لهم، وأعجب بما يكتبون، ثم أصبحت الأيام تحمل لي مفاجأة جميلة…

ألتقي بهم، فيقولون لي:

«أستاذ فايل… كتاباتك جميلة.»

وهنا أقف لحظة وأقول في نفسي:

سبحان الله… القارئ الصغير الذي كان ينتظر مجلة ماجد فوق مخدته، أصبح اليوم كاتبًا يقرأ له الآخرون!

وهذه من أجمل الأشياء التي يمكن أن يمنحها لك الكتاب.

أن تبدأ قارئًا صغيرًا، ثم تكبر، وتتعلم، وتتأثر، وتكتب… ثم يأتي يوم تجد فيه من يقرأ لك.

هذه كانت رحلتي القصيرة مع الكتب والكتّاب.

رحلة بدأت بمجلة «ماجد»، مرورًا بالمغامرين الخمسة والرجل المستحيل، ثم حسن نجيلة وإحسان عبد القدوس وأجاثا كريستي، وصولًا إلى كبار الأدباء العرب والعالميين.

وربما لو استمرت الرحلة طويلًا، فسوف أحتاج إلى مجلد كامل، وليس مقالًا!

وفي النهاية، أقول لكم:

اقرؤوا… فالكتاب صديق لا يخون، وسفر بلا طائرة، ومغامرة بلا حقيبة، وأحيانًا علاج جميل للملل… وأحيانًا سبب للصداع، خصوصًا عندما تقرأ كتابًا من أربعمائة صفحة وتكتشف في النهاية أنك لم تفهم ماذا يريد المؤلف!

أما أنا…

فما زلت ذلك الولد الذي كان ينتظر «ماجد» صباح الأربعاء، لكن الفرق أنني اليوم لا أنتظر المجلة فوق مخدتي…

بل أنتظر الحكاية حتى أكتبها لكم.

دمتم بخير، ودامت الكتب رفيقةً لنا،

ودامت الحكايات تجد طريقها إلى قلوبكم.

الولد الشقي سابقًا

الحكواتي حاليًا

Exit mobile version