Site icon صحيفة صدى نيوز إس

إلى أين سنمضي؟

 

✍🏻 مزنة بنت سعيد البلوشية

كاتبة عُمانية

إلى أين سنمضي، ونحن نحمل في حقائب أرواحنا أشياء انتهت، ووجوهًا غابت، وأيامًا ما زالت تسكن في الذاكرة رغم أنها رحلت منذ زمن؟

إلى أين سنمضي، ونحن نلتفت خلفنا كلما حاولنا أن نخطو إلى الأمام؟

الماضي… ذلك الطريق الذي مشيناه ذات يوم، ثم تركناه خلفنا.

سواء كنتَ أنت من أغلق بابه، أو أن الأيام هي التي تجاوزتك، فالحقيقة واحدة؛ ما مضى لن يعود.

قد يزورك الحنين بين حين وآخر، وقد تشتاق إلى صوتٍ، أو مكانٍ، أو تفاصيل صغيرة كانت يومًا تعني لك الكثير. لا بأس أن تشتاق، ولا بأس أن تتذكر، فالقلوب لا تملك زرًا لمحو الذاكرة.

لكن إياك أن تجعل الحنين يعيدك إلى المكان الذي كسرك.

فبعض الأبواب حين تُغلق، لا تُغلق قسوةً، بل رحمة. وبعض الطرق حين تنتهي، لا تكون خسارة، وإنما نجاة لم ندرك معناها إلا بعد أن ابتعدنا.

لا تحاول أن تعيش في الماضي، بينما الحياة تفتح لك نافذة جديدة كل صباح.

ربما لا تعرف إلى أين سيأخذك الغد، وربما تخيفك المجهولات القادمة، لكنك تملك اليوم… وهذه وحدها فرصة عظيمة.

الحاضر لا يشترط منك أن تكون مستعدًا تمامًا، ولا أن تكون خاليًا من الخوف والارتباك. يكفي أن تبدأ.

ابدأ ولو بخطوة صغيرة.

ابدأ ولو بقلبٍ مثقل.

ابدأ ولو لم تعرف النهاية.

فالأشياء الجميلة لا تأتي دائمًا ونحن في كامل قوتنا، بل أحيانًا تولد من بين أنقاض التعب، ومن قلب الخيبات، ومن اللحظة التي نظن فيها أننا لم نعد قادرين على النهوض.

لقد أفسدت ترسبات الماضي مساحات كثيرة في ذاكرتك، فلا تسمح لها أن تفسد بقية عمرك.

امنح نفسك فرصة أخرى…

أنت لست ما حدث لك، ولست خساراتك، ولا أخطاءك، ولا الأبواب التي أُغلقت في وجهك.

أنت ما زلت هنا.

وهذه هي ورقتك الرابحة.

ما دمت حيًا، فأمامك عقلٌ تستطيع أن تفكر به، وروحٌ تستطيع أن تنهض بها، وقلبٌ ما زال يحلم، وإرادة تستطيع أن تعيد ترتيب الفوضى التي تركتها الأيام.

فلا تجعل الحزن نهاية الحكاية.

ادفع حزنك بالعمل، وعالج إحباطك بالعمل، وداوِ ألمك بالعمل.

ليس لأن العمل يمحو الوجع في لحظة، بل لأنه يمنحك سببًا جديدًا للاستمرار، ويعيد إليك شيئًا من شعورك بأنك قادر على صنع حياتك من جديد.

لا تستبق النتائج، ولا ترهق قلبك بكثرة التوقعات.

اعمل… ثم اترك ما لا تستطيع التحكم به لله.

فكم من طريق ظننّاه مسدودًا، فتح الله لنا بعده أبوابًا لم تخطر لنا على بال.

وكم من أمنية تأخرت، ثم جاءت في الوقت الذي أدركنا فيه لماذا كان التأخير رحمة.

وكم من خسارة أبكتنا، ثم اكتشفنا بعد سنوات أنها كانت بداية النجاة.

لذلك…

لا تلتفت كثيرًا إلى الوراء.

خذ من الماضي درسه، واترك ألمه.

خذ منه الحكمة، ولا تحمل منه الانكسار.

وإذا سألت نفسك يومًا: إلى أين سنمضي؟

فقل لقلبك:

سنمضي إلى حيث يريد الله لنا أن نكون، وسنمضي ونحن نحاول، ونتعلم، ونسقط ثم ننهض، ونخسر ثم نبدأ من جديد.

سنمضي لأن الحياة لم تنتهِ عند آخر خيبة.

سنمضي لأن في الغد احتمالات لم نعرفها بعد.

وسنمضي لأن الله الذي أبقاك واقفًا بعد كل ما مررت به، لن يضيعك.

لقد عانيت بما فيه الكفاية…

فلا تجعل ما مضى يأخذ منك ما تبقى.

انهض، وابدأ من حيث أنت، وبما تملك، وبما تستطيع.

فربما تكون أجمل فصول حياتك لم تُكتب بعد.

Exit mobile version