ا/محمد باجعفر
في لحظات التجلّي الصامت، وحين تتقاطع عواطف الروح مع تفاصيل الحياة اليومية، تتأرجح الحواس بين السعة والضيق. هناك أشياء لا تقاس بمقياس المادة، بل بمدى وقعها على الوجدان، وفي هذا السياق يتجسد الحوار بين ومضات البصر وإشراقات البصيرة:
قالت.. وفي نبرتها مزيج من إرهاق النور ودفء الامتلاء:
”مرّت بي أيام كاد البصر فيها أن يخونني، ولم يكن ذلك من هولِ ما أبصرت، إنما من غيثٍ أغرق الحقول.”
وهي تعني بذلك الفيضان الشعوري النقي؛ فليس كل إرهاق للعين ناتحاً عن قسوة المشاهد أو فظاعة النوازل، بل ربما أتى من فرط الجمال، ومن شدة الوفرة والارتواء. وحين يتساقد غيث النعمة والبهجة بغزارة على حقول الروح، تتهافت الحواس عجزاً عن احتمال هذا الفيض العظيم، تماماً كالأرض التي يرويها المطر حتى تفيض أوديتها.
فقلت.. وقد امتد بي التأمل إلى أفق أبعد غوراً:
”إختفاء البصر أهون وألطف، من اختفاء البصيرة.. هنالك أناس يبصرون ولكنهم دون بصيرة.”
ففقدان النور المادي وخفوت بصر الجسد يظل أمراً هيناً يمكن التعايش معه، بل وقد يكون ستراً عن كثير من كدر الدنيا. أما العمى الحقيقي فهو انطفاء نافذة الروح وعجز القلب عن قراءة بواطن الأمور. كم من شخص تفتحت عيناه على ألوان الحياة، لكن بصيرته ظلت غارقة في عتمة الجهل والغبش، عاجزة عن تمييز الحقيقة من زيف المظاهر، أو إدراك ما تتوارى خلفه الكلمات.
إن البصيرة هي البوصلة الأصيلة التي لا تخطئ؛ بها نرى ما وراء الحجب، ونقرأ النقاء في وجوه الصادقين، ونعرف أن قيمة الإنسان تكمن في عمق إدراكه لا في حدة نظره.

