مقال/ بقلم الإعلامي خضران الزهراني
في يومٍ من الأيام، مررتُ بمكانٍ كانت فيه كلابٌ ضالّة تنبح بصوتٍ مرتفع. حاولتُ إبعادها، فرميتُ الحجارة باتجاهها، فإذا بنباحها يزداد، وكأنني منحتُها سببًا جديدًا للاستمرار.
توقفتُ لحظة وفكرت: هل كل نباحٍ يستحق أن أواجهه؟ وهل كل صوتٍ مرتفع يحتاج إلى رد؟
وكان معي بعض الطعام، فأخذتُ العظام وألقيتها لها، فانشغلت كل واحدةٍ بما أمامها، وسكت النباح.
ومن هنا تعلّمت درسًا يتجاوز ذلك الموقف بكثير:
ليس كل من يسيء إليك يستحق أن تنزل إلى مستوى إساءته، وليس كل حسودٍ يحتاج إلى معركة، وليس كل كاذبٍ يحتاج إلى ملاحقة، وليس كل منكرٍ للمعروف يستحق أن تشرح له ما قدمت.
في الحياة الاجتماعية، وفي المجال الإعلامي تحديدًا، ستجد من يزعجه نجاحك، ومن يفسر مبادرتك الطيبة بسوء نية، ومن ينكر معروفًا قدمته له، ومن ينسج الكلام ثم يصدقه، ومن يحاول أن يحوّل العمل إلى خصومة شخصية.
وهنا تظهر قيمة الحكمة.
الحاسد لا تعالجه بالحسد، والكاذب لا تواجه كذبه بكذبة، ومن ينكر معروفك لا تجعل إنكارَه يمحو قيمة ما فعلت.
الإعلامي الحقيقي لا يجعل كل تعليق معركة، ولا كل إشاعة قضية، ولا كل إساءة عنوانًا. يعرف متى يتحدث، ومتى يصمت، ومتى يرد بالدليل، ومتى يترك الأيام تكشف الحقيقة.
فالإنجاز الصادق لا يحتاج إلى صراخ، والعمل المهني لا يحتاج إلى شهادات من أصحاب الأهواء، والمعروف الذي يُقدَّم لله لا ينبغي أن يكون ثمنه انتظار الاعتراف من الناس.
قد يظن البعض أن الصمت ضعف، لكنه أحيانًا يكون أعلى درجات القوة؛ لأنك عندما تعرف قيمتك، لا تحتاج إلى إثباتها أمام كل من حاول التقليل منك.
وفي المجتمع، كما في الإعلام، لا تجعل نفسك أسيرًا للردود.
اعمل، وأنجز، ووثّق، واحترم الناس، واحفظ لسانك، ودع أعمالك تتحدث عنك.
أما من اختار النباح، فلا تمنحه من وقتك أكثر مما يستحق.
فالحكمة ليست أن تنتصر في كل جدال، وإنما أن تعرف أي جدال لا يستحق أن تدخله أصلًا.
وفي النهاية، يبقى المعروف معروفًا، والصدق صدقًا، والعمل النبيل شاهدًا على صاحبه، حتى لو أنكره من أنكره.
لا تغيّر أخلاقك لأن بعض الناس أساؤوا فهمك، ولا تتوقف عن صناعة المعروف لأن أحدهم جحده.
امضِ في طريقك بهدوء؛
فمن يعمل بصدق لا يخشى ضجيج العابرين،
ومن يزرع الخير، سيأتي يومٌ يعرف فيه الجميع أين كانت الحقيقة.

