Site icon صحيفة صدى نيوز إس

حين يصبح الحبرُ ملتقى

 

✍🏻 مزنة بنت سعيد البلوشية

كاتبة عُمانية

هناك أماكن لا ندخلها بأقدامنا فحسب، بل ندخلها بشغفنا أيضًا؛ أماكن نشعر فيها أن شيئًا في داخلنا كان ينتظر هذا اللقاء منذ زمن. ولعل ملتقى حِبر الثقافي الثاني واحدٌ من تلك المساحات التي لا تُقاس قيمتها بعدد الفعاليات أو الحضور، وإنما بما تتركه من أثرٍ في الذاكرة، وما تفتحه من نوافذ جديدة على الفكر والمعرفة والإبداع.

فالثقافة ليست كتابًا نضعه على رفٍ، ولا فعالية تنتهي بانتهاء وقتها، بل هي حوارٌ مستمر بين الإنسان وذاته، وبين تجربته وتجارب الآخرين.

وحين يجتمع الكُتّاب والمثقفون والمهتمون بالمعرفة في مكان واحد، يصبح الحضور أكثر من مجرد حضور؛ يصبح مشاركةً في صناعة مشهد ثقافي حيّ، تتلاقى فيه الأفكار، وتختلف الرؤى، وتتسع الأسئلة.

وما يميز مثل هذه الملتقيات أنها تمنح الكتاب فرصةً للخروج من عزلته الهادئة على الرفوف، ليصبح حاضرًا بين أيدي الناس، قريبًا من القارئ، ومفتوحًا على النقاش. فبين كتابٍ يبحث عن قارئ، وقارئٍ يبحث عن فكرة، تتشكل حكايات صغيرة قد لا تُرى في لحظتها، ولكنها ربما تُغيّر شيئًا كبيرًا في حياة إنسان.

وفي ملتقى حِبر الثقافي الثاني تتسع دائرة الحوار لتشمل جوانب متعددة من المعرفة والإبداع؛ من صناعة المحتوى، والكتابة، وتطوير المهارات، إلى الذكاء الاصطناعي والوعي المالي والتفكير والتربية والتطوير الشخصي. وهذا التنوع يؤكد أن الثقافة اليوم لم تعد محصورة في قالب واحد، وإنما أصبحت فضاءً واسعًا يلتقي فيه الأدب بالمعرفة، والإبداع بالتقنية، والتجربة الإنسانية بالأسئلة والأفكار الجديدة.

ولعل من أجمل ما تمنحه الملتقيات الثقافية هي تلك المصادفات الجميلة؛ أن تلتقي بشخص لم تعرفه من قبل، فتجمعكما فكرة، أو أن تقع عيناك على كتاب لم تكن تبحث عنه، فتجد فيه شيئًا يشبهك. وربما تسمع حديثًا عابرًا من أحدهم، لكنه يرافقك طويلًا بعد أن تغادر المكان.

إننا بحاجة إلى هذه المساحات؛ لأن المجتمعات التي تقرأ وتتحاور وتستمع إلى أصوات مختلفة، هي مجتمعات أكثر قدرة على صناعة المستقبل. والثقافة لا تنمو بالكتب وحدها، وإنما بالإنسان الذي يقرأ، ويسأل، ويناقش، ويكتب، ويمنح الآخرين فرصة لأن يروا العالم من زاوية مختلفة.

وحين نرى الشباب وهم يقتربون من الكتاب، ومن الورش والمحاضرات، ومن التجارب الإبداعية الجديدة، ندرك أن الحبر لم يعد مجرد أثرٍ على الورق؛ فلقد أصبح وسيلةً للتواصل، وجسرًا بين الأجيال، ومساحةً لاكتشاف الذات والآخر.

لذلك، فإن قيمة ملتقى حِبر الثقافي الثاني لا تكمن فقط فيما يُقدَّم خلال أيامه، بل فيما يمكن أن يستمر بعده؛ فكرة تولد، كتاب يُقرأ، موهبة تجد طريقها، كاتب يكتشف صوته، وقارئ يقرر أن يجعل القراءة جزءًا من حياته.

فكل ملتقى ثقافي ينتهي في المكان، لكنه لا ينبغي أن ينتهي فينا.

ويبقى الحبر شاهدًا على أن الكلمة حين تجد من يؤمن بها، تستطيع أن تعبر المسافات، وأن تفتح أبوابًا لم تكن في الحسبان.

فطوبى للأماكن التي تجمعنا حول المعرفة، وللحروف التي تجعل من الاختلاف حوارًا، ومن اللقاء بدايةً لحكاية جديدة.

ويبقى السؤال الأجمل بعد كل ملتقى:

ماذا سيبقى فينا حين ينتهي الملتقى؟

ربما كتابٌ جديد في أيدينا، أو فكرةٌ في عقولنا، أو شغفٌ عاد إلى قلوبنا بعد أن ظننا أنه خفت.

وهنا تحديدًا… يكمن أثر الحبر.

Exit mobile version