Site icon صحيفة صدى نيوز إس

للجرائد القديمة روحٌ لا تسكن الشاشات

تهاني سعود الزهراني

أحيانًا لا تعيدنا الذاكرة إلى الماضي بصورة أو كلمة…

تعيدنا إليه برائحة.

في إجازتي ذهبت الى ديرتي المندق؛ تلك المدينة الجبلية الباردة في جنوب المملكة، التي يكسوها الضباب حتى غدت تُعرف بـ مدينة الضباب.

هناك، حيث للبرد رائحة، وللجبال هيبة، وللبيوت القديمة ذاكرة لا تحتاج إلى من يرويها.

دخلت بيت جدي القديم.

بيتٌ مبني من الحجر، كأن كل حجر فيه يعرف حكاية، وكل زاوية تحتفظ بصوتٍ مرّ من هنا ثم مضى.

وقفت في المكان، ولم أعرف لماذا شعرت أن الماضي ليس بعيدًا كما كنت أظن.

فجأة… تخيلت جدي حسن (رحمه الله) جالسًا في مكانه.

بهيبته التي كانت تملأ المكان، وبحنانه الذي لم يكن يظهر بسهولة.

كان جدي من الرجال الذين لا يحتاجون إلى كثير من الكلام كي تشعر بهيبة حضورهم.

وتخيلته كما كان…

جالسًا، والجريدة الكبيرة تغطي وجهه.

لا أرى عينيه.

لا أرى ابتسامته.

لا أرى إلا رجليه من تحت الجريدة.

وكان حجم الجريدة يمنحنا نحن الأطفال مساحة صغيرة من الحرية

كنا نتشاغب لأنه لا يرانا!

نضحك، نركض، نتحرك من حوله، ونظن أننا اكتشفنا ثغرة في نظام المراقبة العائلي.

لكن يبدو أن جدي حسن كان يرى أكثر مما نظن.

فما إن تصل ضحكاتنا إلى الحد الذي يزعج قراءته، حتى يتنحنح جدي.

تنحنحة واحدة.

وكانت كافية لأن نفهم الرسالة كاملة.

نهدأ قليلًا، ثم نعود إلى الشغب بعد دقائق، مستفيدين من عودته إلى الجريدة.

اليوم، وأنا واقفة في البيت القديم، لم أتذكر جدي وحده.

تذكرت رائحة الجرائد.

تلك الرائحة التي يصعب وصفها.

رائحة الورق الذي شرب الحبر، ثم شربت منه السنوات.

صفحات كبيرة، خشنة قليلًا، لونها الذي كان أبيض يومًا ثم مال إلى الصفرة، كأن الزمن مرّ عليها وترك أثره.

وتذكرت صوت تقليب الصفحات.

ذلك الصوت الذي لا يشبه أي صوت يأتي من شاشة.

صفحة تُقلب…

ثم أخرى…

ثم يعود الهدوء.

وربما لهذا السبب بدأت أتساءل:

هل كان يقرأ الجريدة فعلًا… أم كان يعيش طقسًا من طقوس الحياة؟

لأننا اليوم نقرأ أكثر مما قرأ جدي، على الأرجح.

تصلنا الأخبار في لحظتها.

نقرأ العناوين قبل أن تكتمل القصة.

نمرر إصبعًا على الشاشة، فننتقل من حرب إلى وصفة طبخ إلى صورة طفل يضحك، ثم إلى خبر وفاة، ثم إلى إعلان عن خصم رائع.

كل شيء حاضر.

فلماذا يبدو أن شيئًا ما غائب؟

ربما لأن الجريدة القديمة لم تكن مجرد وسيلة للحصول على الخبر.

كانت شيئًا تمسكه بيدك.

متى فقدنا أرواح الأشياء؟

مع أننا اليوم نملك كل شيء.

الأخبار تصلنا فور حدوثها.

الصورة تصلنا من آخر العالم.

ويمكننا أن نقرأ عشرات المقالات في دقائق.

لكن أين تلك الرائحة؟

أين صوت الورق؟

أين الصفحة التي تحتاج أن تمسكها بكلتا يديك؟

وأين ذلك الوقت الذي كنت تجلس فيه مع الجريدة… ولا تفعل شيئًا آخر؟

ربما لم تكن الجريدة القديمة مجرد وسيلة لقراءة الأخبار.

كانت طقسًا.

كان لها موعد، ومكان، ويد تقلب الصفحات، وفنجان قهوة، وربما شخص يجلس بجانبك ولا يتحدث.

أما اليوم، فنحن نقرأ الخبر بينما نرد على رسالة، ونشاهد مقطعًا، وننتظر إشعارًا، ونفكر في الخبر التالي قبل أن ننتهي من الأول.

نفتح الهاتف، فتأتينا الأخبار قبل أن نبحث عنها.

كل شيء أسرع.

لكن…

هل كل شيء أصبح أجمل؟

لا أعرف.

لكنني أعرف أنني حين أتذكر جدي حسن رحمه الله ، لا أتذكر شاشة.

أتذكر جريدة.

جريدة كبيرة تخفي وجهه، وتكشف لنا رجليه.

أتذكر تنحنحه حين يسمع ضحكاتنا..

وأتذكر برد المندق وضبابها.

وكأن الجريدة لم تكن في ذلك الوقت مجرد وسيلة يقرأ بها جدي الأخبار.

كانت جزءًا من المشهد.

جزءًا من شخصية رجل يعرف أن الأطفال يعبثون، لكنه يتركهم قليلًا قبل أن يعلن أنه اكتشفهم.

وربما لهذا السبب نشعر بالحنين إلى أشياء لم نكن نعرف قيمتها وقتها.

فالشاشة تستطيع أن تعرض لي صورة قديمة لجدي.

لكنها لن تجعلني أشم رائحة الورق الذي كان بين يديه.

لن تجعلني أسمع صوت الصفحة وهي تُقلب.

لن تجعلني أتذكر كيف كنا نضحك من خلفها، وننتظر تلك النحنحة التي تعني أن جدي يعرف كل شيء، حتى لو لم نرَ وجهه.

وهنا أدركت أن الحنين ليس دائمًا إلى الأشخاص.

أحيانًا نشتاق إلى الطريقة التي كانوا يعيشون بها.

إلى تفاصيل صغيرة لم نكن نعرف أنها ستصبح يومًا أثمن من الأحداث الكبيرة.

أشياء بسيطة جدًا…

لكنها حين تغيب، نكتشف أنها لم تكن بسيطة أبدًا.

لذلك، ربما لا أحنّ إلى الجرائد القديمة لأنها كانت أفضل من الشاشات.

أحنّ إليها لأنها كانت تحمل شيئًا لا تستطيع الشاشة حمله: الشعور

كان جدي رحمه الله يجلس ويقرأ.

ونحن نلعب.

والصفحات تُقلب ببطء.

والنهار يمضي دون أن يستعجل أحدٌ الوصول إلى الصفحة التالية.

أما نحن اليوم، فنملك كل الأخبار، وكل الصور، وكل العالم تقريبًا بين أيدينا.

لكننا نكاد لا نملك الوقت لنشعر به.

ولهذا، حين دخلت بيت جدي القديم، لم أجد جدي هناك.

وجدت رائحةً عابرةً ظننت أنني نسيتها.

ووجدت جريدةً لم تكن موجودة أصلًا…

لكنها كانت ما تزال مفتوحة في ذاكرتي.

وربما لهذا السبب تحديدًا…

للجرائد القديمة روحٌ لا تسكن الشاشات.

وربما هنا السؤال الذي يستحق أن يبقى معنا:

حين تختفي الأشياء التي نستطيع لمسها وشمّها وسماعها… هل نخسر الأشياء، أم نخسر الطريقة التي كنا نشعر بها بالحياة؟

فهل نحن فعلًا نفتقد الأشياء القديمة…

أم نفتقد النسخة القديمة من أنفسنا التي كانت تعيش معها؟

رحم الله جدي حسن غاب وجهه عن الدنيا، وبقيت تنحنحه في ذاكرتي… كأنها تقول لنا: ما زلت أسمعكم.

بقلم: تهاني سعود حسن الزهراني

أكتب لأفتح نافذة… وأترك لك سؤالًا قد يغيّر نظرتك إلى الحياة.

Exit mobile version