Site icon صحيفة صدى نيوز إس

انا مصابة بجنون العظمة

 

كاتبة رأي ايمان المغربي

قد يبدو العنوان غريبا وربما يثير سؤالا قبل ان تبدأ القراءة لكنني استخدمت هذا التعبير عمدا لان هناك نوعا من الجنون لا يدفع الانسان الى رؤية نفسه فوق الاخرين بل يدفعه الى رفض الصورة الصغيرة التي رسمها لنفسه والبحث عن المساحة التي يمكن ان صل اليها فعلا

هناك انسان يعرف ان لديه قدرة لم يستخدمها بعد ولا يرضى ان تبقى هذه القدرة مجرد احتمال داخله فيبدأ باختبارها بالتعلم والمحاولة وتحمل مسؤولية اختياراته وهذا في نظري هو المعنى الجميل لجنون العظمة ان يؤمن الانسان ان لديه شيئا يستحق ان يكتشفه قبل ان ينتظر من الاخرين ان يكتشفوه له

لكن الايمان بالقدرة وحده لا يصنع انسانا مختلفا فهناك فرق بين من يرى في نفسه امكانية تحتاج الى العمل وبين من يمنح نفسه مكانة لا يستند اليها شيء الاول يسأل ماذا استطيع ان افعل والثاني ينشغل بما يستحقه ولذلك يبدأ الجنون الايجابي من سؤال صريح

هل ما اتوقعه من نفسي يساوي ما ابذله من اجلها

من هنا تبدأ مسؤولية الانسان تجاه نفسه فالقدرة مثل الارض الخصبة لا يكفي وجودها حتى تعطي محصولا بل تحتاج الى من يعرف كيف يعتني بها وما الذي يستحق ان يزرعه فيها وما الذي يجب ان يزيله من طريق نموه

فالحرث في حياة الانسان قد يكون مراجعة فكرة قديمة او التخلص من عادة تعطل تقدمه او مواجهة خوف جعله يؤجل خطوة يعرف انه قادر عليها واحيانا يكون النمو الحقيقي في الاشياء التي نتخلى عنها لا في الاشياء التي نضيفه

ثم يأتي الغرس وهو اختيار ما نريد ان نبنيه في انفسنا معرفة نتعلمها ومهارة نتقنها وسلوك نلتزم به وفكرة نعطيها فرصة ومشروع نمنحه وقتنا فكل ما نزرعه اليوم قد يصبح جزءا من صورتنا غدا

لكن لا غرس ينمو بلا سقيا والاستمرار هو الجزء الذي لا يحبه كثيرون لان نتائجه لا تأتي بسرعة قد يبدأ الانسان بحماس ثم يكتشف ان الطريق يحتاج الى صبر وتكرار وان ما يفعله كل يوم قد يبدو صغيرا لكنه يصنع فرقا كبيرا حين يتراكم

وهنا تأتي مرحلة الجذور وهي المرحلة التي لا يراها احد قد يتغير الانسان في طريقة تفكيره وفي اختياراته وفي قدرته على التعامل مع نفسه بينما يراه الاخرون كما هو وهذه المرحلة ليست فراغا بل بناء هادئا لما سيظهر لاحقا

ولهذا لا يحتاج الانسان الى ان يقارن بدايته بما وصل اليه غيره فاختلاف الظروف والقدرات والفرص يجعل لكل شخص طريقه الخاص والمقارنة قد تسرق من الانسان تركيزه على ما يحتاجه هو

الجنون الايجابي لا يعني ان نرفع انفسنا فوق الناس بل ان نرفع مستوى ما نطلبه من انفسنا ان نقول استطيع ثم ندخل التجربة وان نفشل ثم نتعلم وان ننجح ثم نبحث عن مساحة جديدة للنمو

والاختبار الحقيقي لهذه الثقة ليس الكلام عنها بل ما تفعله حين تواجه تجربة صعبة فالقدرة التي لا تتحول الى فعل تبقى مجرد تصور عن الذات اما العمل فيكشف للانسان قبل غيره مقدار ما يملك وما يحتاج الى تطويره

اما الغرور فيحتاج الى مقارنة مستمرة حتى يشعر صاحبه بقيمته بينما الثقة لا تحتاج الى انسان اخر حتى تثبت وجودها يستطيع الواثق ان يرى قوة غيره دون ان يشعر بالنقص وان يعترف بما لا يعرف دون ان يرى في الاعتراف هزيمة

لذلك لا ارى في الطموح الكبير مشكلة ولا في ان يضع الانسان لنفسه هدفا يبدو صعبا المشكلة ان يريد نتيجة كبيرة بجهد صغير وان يطلب ثمرا من ارض لم يزرع فيها شيئا

قد تتأخر النتيجة وقد يكتشف الانسان ان الطريق اطول مما توقع وقد يحتاج الى ان يتعلم من جديد لكن هذا كله جزء من معرفة النفس فالانسان لا يعرف حدود قدرته وهو جالس يفكر فيها بل يعرفها عندما يمنحها فرصة حقيقية ويضعها امام تحد يحتاج الى جهد

وربما اجمل ما في هذا الجنون انه لا يجعل الانسان منشغلا بإثبات انه افضل من غيره بل يجعله منشغلا بأن يكون افضل مما كان عليه هو نفسه في الامس

انا مصابة بجنون العظمة اذا كان المقصود ان ارفض ان اعيش بقدرات معطلة وان ارفع سقف ما اطلبه من نفسي وان امنح طموحي ما يحتاجه من علم وعمل وصبر وان اؤمن ان بعض الجذور تحتاج وقتا قبل ان تظهر

فالعظمة الحقيقية لا تحتاج الى ان يعلنها صاحبها

يكفي ان تنضج الارض

وحينها سيتحدث الثمر عنها

Exit mobile version