Site icon صحيفة صدى نيوز إس

في الطريق بين جازان وعسير.. قائدان ورفقةٌ واحدة وحكايةٌ لا تنتهي عند آخر منعطف

 

جازان- حمد دقدقي

ليست كل الرحلات سفرًا، كما أن الطريق ليس دائمًا مسافةً بين نقطتين؛ فبعض الطرق تمضي بنا إلى الأمكنة، وبعضها يمضي بنا إلى أنفسنا، يكشف لنا معدن الرفاق، ويختبر قدرتهم على أن يجعلوا من اختلاف الأدوار وحدةً لا تنازع فيها، ومن عوارض السفر ذكرياتٍ تزداد جمالًا كلما ابتعدت عنها الأيام.

وكانت رحلتي، بالأمس القريب، برفقة الزميلين رمضان مجممي وجبريل خبراني، من تلك الرحلات التي لا تُختصر في برنامج سياحي ولا تُقاس بعدد المواقع التي مررنا بها، فقد كانت أقرب إلى رحلة عائلية، اجتمعت فيها الصحبة الطيبة مع الخبرة، والتلقائية مع التنظيم، حتى بدا الطريق نفسه وكأنه واحد من أفراد الوفد.

كان رمضان مجممي يحمل في الرحلة أكثر من صفة؛ فهو رئيس نادي القهوة، والمرشد السياحي، والإعلامي الذي عرفته عشرات الصحف الإلكترونية، وعضو في عدد من الجمعيات، وفوق ذلك كله مرشد سياحي يحمل رخصة دولية؛ غير أن أجمل ما حمله في تلك الرحلة لم يكن بطاقة تعريف ولا رخصة مهنية، وإنما حمل صفةً لا تُمنح في المؤسسات ولا تُكتب في السيرة الذاتية: كان جدًا.

كان أحد أحفاده بين أفراد الرحلة، وهنا اكتسب المشهد بعدًا إنسانيًا آخر؛ فالجد حين يسافر مع حفيده لا يكون مسافرًا وحسب، وإنما يحمل في قلبه مسؤولية أن يصنع للطفل ذاكرة جميلة، وأن يريه من الدنيا ما يجعل الطريق في عينيه حكاية، والجبال قصيدة، والمدن صفحاتٍ مفتوحة من كتاب الوطن.

وفي الجهة الأخرى كان جبريل خبراني يقف بثبات الرجل الذي يعرف الطريق، ويتولى زمام المسار، ويتابع تفاصيله محطةً بعد محطة. لم يكن دوره منافسًا لدور رمضان، بل كان مكملًا له؛ فحين تكون الرحلة ناجحة لا يبحث القادة عن من يتقدم، وإنما يعرف كل واحد منهم أين ينبغي أن يقف.

وهكذا أصبح في الرحلة قائدان؛ رمضان بمرجعيته وخبرته ورخصته الدولية، وجبريل بحضوره الميداني وقيادته للطريق والمسار السياحي، وبينهما انسجام جعل القيادة توزيعًا للأدوار لا تنازعًا على المكان.

ولعل هذا من أجمل ما يمكن أن يتعلمه المرء من السفر: أن القيادة الحقيقية ليست أن تكون وحدك في المقدمة، وإنما أن تعرف كيف تمنح الآخرين مساحةً ليؤدوا أدوارهم، وأن تجعل نجاح المجموعة غايتك قبل أن يكون حضورك غايتك.

وكان جبريل شديد الحرص على أن يخرج برنامج الرحلة في أجمل صورة؛ يتابع التفاصيل، ويتفقد المسار، ويبحث عن كل ما يجعل الرحلة أكثر راحةً وبهجة. حتى جاءت ساعة الغداء، فإذا بالتفاصيل الصغيرة التي نحرص عليها جميعًا تكشف لنا عن مفاجأة لم تكن في الحسبان.

فقد اكتُشف أن جزءًا من لحم الذبيحة، وتحديدًا اللحم الذي يغطي أضلاعها، قد اختفى في ظروفٍ غامضة، وكأن يدًا خفية قررت أن تمنح ذلك الجزء من الذبيحة رحلةً مستقلة، وأن تصدره إلى وجهة أخرى دون تأشيرة أو إذن!

وكان يمكن لمثل هذه الحادثة أن تكون سببًا في تعكير صفو الرحلة، لكن شيئًا أجمل من الطعام كان حاضرًا على المائدة: المودة.

ضحكنا، وتجاوزنا الأمر، وبقيت السفرة عامرةً بما هو أثمن من اللحم؛ عامرةً بالرفقة، وبالأحاديث، وبذلك الشعور النادر الذي يجعل الإنسان مطمئنًا إلى أن من حوله لا يبحثون عن الخطأ ليحاسبوا عليه، وإنما يبحثون عن العذر ليبتسموا معه.

وهنا أدركت أن نجاح الرحلة لم يكن في الطريق وحده، ولا في حسن التنظيم وحده، ولا في خبرة المرشد وحدها؛ وإنما كان في تلك الروح التي جعلت الوفد أشبه بأسرة صغيرة، لكل فرد فيها دوره، ولكل واحد مكانه، لكن الجميع يمضون نحو غاية واحدة.

لقد كان رمضان مجممي في هذه الرحلة صورةً للرجل الذي اجتمعت فيه الخبرة المهنية مع الحضور الإنساني؛ مرشدًا سياحيًا يحمل رخصة دولية، وإعلاميًا، ورئيسًا لنادي القهوة، وعضوًا في عدد من الجمعيات، ثم قبل كل ذلك وبعده جدًا يمشي إلى جوار حفيده في طريق طويل.

وكان جبريل خبراني صورةً أخرى للرجل الذي يعرف أن نجاح الرحلة يبدأ من الطريق، من سلامة المسار، ومن الانتباه إلى التفاصيل، ومن الحرص على أن يعود كل فرد منها بذكرى أجمل مما كان يتوقع.

وبين الرجلين مضت الرحلة.

لم نكن أمام قائدين يتنازعان الدفة، وإنما أمام رفيقين يتقاسمان مسؤولية الطريق؛ أحدهما يحمل مرجعية وخبرة، والآخر يحمل زمام المسار، وبينهما كانت الروح الواحدة التي لا تحتاج إلى قائد ثالث.

الخاتمة

وعندما انتهت الرحلة، لم أتذكر كم كيلومترًا قطعنا، ولا عدد المناظر التي مررنا بها، بقدر ما بقيت في ذاكرتي صورة الرفاق وهم يمضون معًا؛ جدٌ يصحب حفيده، ومرشدٌ يقود الطريق، ورفاقٌ يضحكون من حكاية لحمٍ اختار أن يغادر المائدة قبل موعده!

وعرفت يومها أن السفر الحقيقي ليس أن تصل إلى المكان، وإنما أن تصل إلى الناس؛ أن تكتشف في الطريق معدنًا أصيلًا، وفي الرفقة قلبًا واسعًا، وفي المواقف العابرة حكايةً تستحق أن تُروى.

فالأماكن قد تنساها الذاكرة، والطرق قد تتشابه، والصور قد تبهت ألوانها مع الزمن؛ أما الرفيق الطيب، فإنه يبقى في القلب كطريقٍ لا ينتهي.

وهكذا كانت رحلتنا بين جازان وعسير؛ طيقًا جمع قائدين، وأسرةً صغيرة، وقلوبًا متآلفة، وترك لنا من الذكريات ما هو أبقى من كل معلمٍ مررنا به.

إنها ببساطة حكاية رحلةٍ نجحت؛ لأن الذين ساروا فيها لم يكونوا مجرد مسافرين… بل كانوا رفاقًا عرفوا كيف يجعلون من الطريق عائلة.

Exit mobile version