بقلم: أحمد علي بكري
شهد العالم الإسلامي خلال العقود الأخيرة انتشاراً متزايداً لمجموعة من الممارسات الوافدة التي ارتبط بعضها تاريخياً بتقاليد دينية وفلسفية شرقية، ثم أُعيد تقديمها للمجتمعات المسلمة بأسماء عصرية براقة من قبيل «العلاج بالطاقة»، و«الشفاء الذاتي»، و«تطوير الوعي»، و«قوانين الجذب»، و«تنظيف الشاكرات»، و«الاستحقاق»، و«التأمل». والخطر هنا لا يكمن في كل تمرين للتنفس أو الاسترخاء أو الحركة الجسدية في ذاته، وإنما في تحويل هذه الممارسات إلى منظومات اعتقادية تزعم وجود قوى غيبية في الكون، أو طاقات خفية يستمد منها الإنسان الشفاء والرزق والحماية، أو طرقاً للوصول إلى المعرفة الغيبية من خلال باطن الإنسان وخواطره. فالمسلم لا يملك ترف التعامل مع العقيدة باعتبارها تفصيلاً ثانوياً؛ لأن التوحيد يقوم على إفراد الله سبحانه بالعبادة والاستعانة والتوكل والتدبير، ولذلك فإن كل ممارسة ينبغي أن تُوزن بميزان الوحي قبل أن تُقبل لمجرد أنها تحمل اسماً حديثاً أو تعد الإنسان بالراحة والسعادة والسلام الداخلي.
ومن أخطر الأبواب التي دخلت منها هذه الأفكار باب التأمل السكوني وبعض صور «تفريغ الذهن». والتأمل ليس مفهوماً واحداً؛ فهناك تمارين تنفس واسترخاء يمكن النظر إليها باعتبارها تقنيات نفسية أو جسدية مجردة، وهناك ممارسات دينية وفلسفية مرتبطة بتقاليد بوذية وهندوسية تسعى إلى حالات مخصوصة من الوعي أو التحرر الروحي. والمشكلة تبدأ حين تُنقل الممارسة من سياقها الأصلي إلى البيت المسلم ثم تُقدَّم باعتبارها طريقاً روحياً محايداً، مع إغفال خلفيتها العقدية أو إدخال مفاهيم مثل «الاتحاد بالكون» و«الطاقة الكونية» و«الاستنارة» و«فتح الشاكرات». كما أن المسلم ينبغي ألا يجعل الخواطر الداخلية مصدراً للحكم على الغيب أو الدين؛ فالخاطر النفسي ليس وحياً، والشعور الداخلي ليس دليلاً شرعياً، وما يمر في ذهن الإنسان أثناء التأمل أو العزلة لا يتحول بمجرد قوته أو غرابته إلى حقيقة غيبية. والوحي الذي أنزله الله على أنبيائه شيء آخر تماماً؛ فهو وحي إلهي مخصوص بالأنبياء، أما ما يجده الإنسان في نفسه من إلهام أو خاطر أو إحساس فلا يجوز أن يجعله مصدراً لعقيدة أو تشريع.
وتتضح المشكلة أكثر عند النظر إلى بعض التطبيقات الشائعة. فاليوغا، على سبيل المثال، لها جذور متعددة داخل التقاليد الهندية، وارتبطت تاريخياً بممارسات روحية وفلسفية، وإن كانت بعض أشكالها الحديثة تُمارس اليوم بوصفها تمارين بدنية فقط؛ ولذلك لا يصح إطلاق حكم واحد على كل حركة جسدية لمجرد تسميتها «يوغا»، لكن المسلم مطالب بالتمييز بين التمرين البدني المحض وبين الطقوس أو التصورات الدينية المصاحبة له، مثل بعض أشكال «تحية الشمس» أو الترديد التعبدي أو استحضار مفاهيم الاتحاد الروحي. وكذلك الحال في «قانون الجذب» حين يتحول من حديث تحفيزي عن التفاؤل والعمل إلى اعتقاد بأن الكون يستجيب لأفكار الإنسان ومشاعره ويمنحه المال أو الصحة أو الأحداث التي يتخيلها؛ فهنا تنتقل المسألة من التحفيز النفسي إلى تصور غيبي ينازع مفهوم التوكل على الله، لأن الرزق والنفع والضر والتدبير بيد الله سبحانه، وليس بيد «الكون» بوصفه قوة مستقلة.
أما منظومات «الريكي» وبعض أشكال العلاج بالطاقة، وتنظيف الشاكرات، و«الأكسس بارز»، وما شابهها، فتزداد خطورتها عندما تُبنى على قوى غير قابلة للإثبات العلمي أو تُقدَّم باعتبارها وسيلة للتعامل مع حقائق غيبية. وكذلك تدخل في هذا الباب ممارسات مثل الإسقاط النجمي، والتاروت، والبندول حين يستخدم للكشف عن الغيب، وبعض صور الفانغ شوي، و«الأكواد الكونية» والأرقام ذات الدلالات الغيبية، والعلاج بالأحجار عندما تُنسب إليها قدرات خارقة مستقلة. والأسوأ من ذلك محاولة تغليف هذه الممارسات بمصطلحات إسلامية، كربط «الشاكرات» بالأذكار، أو الحديث عن «طاقة الأسماء الحسنى»، أو تحويل مفاهيم الطاقة الكونية إلى بديل عن الدعاء والرقية الشرعية؛ فمجرد إضافة لفظ إسلامي إلى ممارسة ذات تصور غيبي لا يجعلها إسلامية، وإنما العبرة بحقيقة الاعتقاد والممارسة ودليلها الشرعي.
وهنا يقع الإنسان في فخ بالغ الخطورة: يبدأ الأمر غالباً بتجربة بحثاً عن الهدوء أو التخلص من التوتر، ثم ينتقل تدريجياً إلى الاعتقاد بأن وراء التمرين قوة خفية، ثم إلى البحث عن «المعلمين» و«المرشدين» و«الذبذبات» و«الرسائل الكونية»، حتى يصبح ما كان مجرد تجربة عابرة منظومة كاملة تفسر للإنسان المرض والرزق والعلاقات والمستقبل والموت. وقد يشعر بعض الممارسين براحة أو نشوة أو تغير في الإدراك أثناء بعض جلسات التأمل، وهذه التجارب الذاتية لا تثبت وجود قوى غيبية، كما أن التأمل المكثف أو بعض ممارسات العزلة قد يرتبط لدى بعض الأشخاص بتجارب نفسية غير مريحة، مثل القلق أو اضطراب النوم أو الإحساس بالانفصال عن الواقع؛ ولذلك لا ينبغي تفسير كل تجربة نفسية غريبة بأنها «كشف روحي» أو اتصال بعالم خفي.
ومن جذور الخلل العقدي أيضاً مفاهيم تناسخ الأرواح والكارما في بعض التقاليد الهندية. فالتناسخ يقوم على تصور انتقال الكائن بعد موته إلى جسد آخر ضمن دورة متكررة من الولادة والموت، وهو تصور يتعارض مع عقيدة الإسلام في الموت والبرزخ والبعث والحساب. وقد قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. أما الكارما، فلها صور وتعريفات متعددة داخل التقاليد الهندية، ولا يصح اختزالها كلها في فكرة «النقاط الأخلاقية»، لكن بعض تصوراتها تربط أحوال الكائن في وجوده الحالي بأعمال سابقة ضمن دورة الولادات. وهذا يختلف جذرياً عن التصور الإسلامي الذي يجعل الدنيا دار ابتلاء، ويثبت الحساب والجزاء الأخروي، ولا يقرر أن الفقر أو المرض دليل على ذنب ارتكبه الإنسان في حياة سابقة؛ بل إن البلاء قد يصيب الصالح والطالح، وقد كان الأنبياء أشد الناس بلاءً.
إن المعركة الحقيقية إذن ليست مع الرياضة أو الاسترخاء أو التنفس العميق، وإنما مع تحويلها إلى بوابة لعقائد غيبية وممارسات وثنية أو باطنية، ثم إدخالها إلى البيوت المسلمة تحت غطاء التنمية البشرية والعلاج البديل. ولذلك فإن الواجب هو الوعي والتمييز: ما كان تمريناً بدنياً أو نفسياً خالياً من العقائد الباطلة فلا ينبغي خلطه تلقائياً بالممارسات الدينية، أما ما تضمن تعظيماً لغير الله، أو استعانة بقوى غيبية مجهولة، أو ادعاء معرفة المستقبل، أو اعتقاداً في طاقات كونية مستقلة، أو طقوساً تعبدية لغير الله، فينبغي للمسلم أن يبتعد عنه ويحذر من نشره بين أهله وأبنائه. فالتوحيد ليس مجرد كلمة تُقال، وإنما منهج يحرس القلب والعقل من التعلق بالمخلوق والوهم والخرافة. والبديل ليس الفراغ، بل الإيمان الصحيح، والدعاء، والذكر، والرقية الشرعية الثابتة، والاستعانة بالأسباب الطبية والنفسية المعتبرة، مع اليقين بأن الشفاء والنفع والضر والرزق بيد الله وحده. وما أحوج بيوتنا اليوم إلى هذا الوعي؛ حتى لا تتحول الحاجة الطبيعية إلى الراحة والعلاج والطمأنينة إلى مدخل تتسلل منه عقائد غريبة، فتُقدَّم الخرافة في ثوب العلم، والوثنية في ثوب الطاقة، والباطنية في ثوب تطوير الذات.

