Site icon صحيفة صدى نيوز إس

سلسلة حياتك السعيدة المقال (36): زينةُ الخفاءِ.. كيف تجدُ الأنسَ في خلوتِك باللهِ تعالى؟

 

بقلم الدكتور / عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان

ما يراه الناسُ منك قد يصنعُ صورتَك، وما يراه اللهُ تعالى في قلبك هو الذي يصنعُ حقيقتَك؛ فاجعلْ لك بينك وبين اللهِ تعالى خبيئةً صالحةً لا يعلمُها أحد، فربَّ خبيئةٍ صنعتْ لصاحبِها حياةً من السكينة، وتركتْ في الدنيا أثرًا لا يموت، ودخرتْ له في الآخرةِ أجرًا عظيمًا.

فالعبرةُ ليست بما يراه الناسُ منك، بل بما يراه اللهُ تعالى في خلواتك؛ فهناك، بعيدًا عن أعين البشر، تتشكّل حقيقةُ الإنسان، ويظهر صدقُه مع ربِّه سبحانه وتعالى ومع نفسِه ومن حوله.

والسعادةُ الحقيقيةُ ليست في كثرةِ ما نملك، ولا في حجمِ ما يراه الآخرونَ من أعمالنا، وإنما في طهارةِ السريرةِ وصلاحِ الباطنِ؛ فمن أصلحَ ما بينه وبين اللهِ تعالى، أصلحَ اللهُ ربُّ العالمين له ما بينه وبين الناس، وألقى عليه من القبولِ ما لا تصنعُه الكلماتُ، ولا تشتريه المظاهر.

إن عباداتِ الخفاءِ هي الرصيدُ الذي لا يضيع، والزادُ الذي يبقى حين تتبدّل الأحوال، والوقودُ الذي يمدُّ الروحَ بالسكينةِ حين تشتدُّ العواصف. وفي لحظاتِ الخلوةِ الصادقةِ، يكتشفُ الإنسانُ أن الأُنسَ باللهِ تعالى لا يحتاجُ إلى جمهور، وأن أجملَ الأعمالِ تلك التي لا يعلمُ بها أحدٌ إلا الله سبحانه وتعالى.

تأملات (351–360)

351. الثقةُ باللهِ تعالى تُغنيك عن الخوفِ من فواتِ الرزق؛ فما قدّره اللهُ تعالى لك سيأتيك ولو كنتَ في أضعفِ حالاتك، وما لم يُكتب لك فلن تنالَه بقوتك؛ فاطمئنَّ إلى قسمةِ الحكيمِ العادل.

352. الهدوءُ النفسيُّ يُحسّن قدرتَك على تجاوزِ الإساءة؛ فحين تسكنُ النفسُ، ترتفعُ عن الردِّ بمثلِ الإساءة، وتحفظُ كرامتَك ووقارَك من الانحدارِ إلى مستوى من أساء إليك.

353. الرضا بقضاءِ اللهِ تعالى يمنحُك القدرةَ على تقبّلِ تأخّرِ الاستجابة؛ فلعلَّ ما تراه منعًا هو عينُ العطاء، ولعلَّ تأخيرَ ما تتمنى يحملُ لك خيرًا لا تراه الآن؛ فالثقةُ بحكمةِ اللهِ تعالى قمةُ اليقين.

354. السكينةُ القلبيةُ ثمرةٌ لتركِ التفاخرِ بالمواهب؛ فالموهبةُ نعمةٌ من اللهِ تعالى، وقيمتُها الحقيقيةُ تظهرُ حين تُسخّرُ لخدمةِ الناسِ ونفعهم، لا حين تتحوّلُ إلى وسيلةٍ للاستعلاءِ عليهم.

355. القربُ من اللهِ تعالى يمنحُك حمايةً من تقلّبِ الود؛ فإذا أيقنتَ أن القلوبَ بين يدي الرحمن، لم تعد تهتزُّ لجفاءِ أحد، ولم تجعلْ رضا الناسِ ميزانًا لطمأنينةِ قلبك السليمِ من الحقدِ والضغينة.

356. صفاءُ القلبِ للهِ تعالى يورثُ التوفيقَ في كلمةِ الحق؛ فالنيةُ الصادقةُ تمنحُ الكلمةَ قوةً ونفاذًا، وتجعلُ صاحبَها أكثرَ شجاعةً وثباتًا، دون ظلمٍ أو تجنٍّ.

357. الامتنانُ للهِ تعالى يحفظُ الروحَ من اعتيادِ النعمة؛ فالشاكرُ يرى العافيةَ في كلِّ نفس، ويستشعرُ النعمَ الصغيرةَ قبلَ الكبيرة، فيبقى قلبُه حيًّا بالفرحِ والرضا.

358. الوعيُ باللهِ تعالى يُهذّبُ رغبتَك في السيطرةِ على النتائج؛ ابذلِ السببَ، وأحسنِ العملَ، ثم فوّضِ الأمرَ إلى اللهِ تعالى؛ فليس كلُّ ما يحدثُ تحت سيطرتك، لكن الطمأنينةَ تبدأ حين تثقُ بمن بيده كلُّ شيء.

359. السعادةُ الحقيقيةُ تُولدُ في السكينةِ الروحيةِ التي ترافقُ الصدقةَ الخفية؛ فما أجملَ أن تعطيَ دون أن تنتظرَ مدحًا، وأن يصنعَ اللهُ تعالى بك أثرًا في حياةِ إنسانٍ دون أن يعرفَ الناسُ أنك كنتَ سببًا فيه.

360. كلُّ قدرٍ يجري بقضاءِ اللهِ تعالى يحملُ درسًا لتربيةِ الروح؛ فالمواقفُ الصعبةُ قد تصقلُك، والابتلاءاتُ قد تنضجُك، والمنعُ قد يعلّمُك؛ فاستقبلْ أقدارَ اللهِ تعالى بالصبرِ والرضا، وابحثْ عن الحكمةِ قبلَ الشكوى.

خاتمة المقال

وفي نهايةِ هذه المحطة، تذكّر أن أجملَ ما في الإنسانِ ليس ما يلمعُ أمامَ الناس، بل ما يزكو في الخفاء. هناك، في سجدةٍ لا يراها أحد، ودمعةٍ لا يعلمُ بها أحد، وصدقةٍ لا يُذكرُ اسمُ صاحبها، ودعاءٍ يخرجُ من قلبٍ منكسرٍ بين يدي اللهِ تعالى؛ هناك تُبنى حقيقةُ الصلاحِ وصدقُ النية.

فإذا أردتَ أن تعرفَ مقدارَ أُنسِك باللهِ تعالى، فانظرْ إلى قلبك حين تختلي بعيدًا عن أعين الناس؛ فإن وجدتَه مطمئنًّا بذكرِ اللهِ تعالى، مستأنسًا بطاعتِه، راضيًا بقضائه، فاعلمْ أنك تملكُ كنزًا لا تُقدّرُ قيمتُه.

فالخلوةُ باللهِ تعالى ليست عزلةً عن الحياة، بل عودةٌ إلى سرِّ الحياةِ في قلبك، وكسبٌ لأجرٍ عظيمٍ في الآخرة؛ وكلما صلحَ الخفاءُ، أشرقَ أثرُه في العلن.

نلتقي بكم، بإذن اللهِ تعالى، يوم الخميس القادم.

Exit mobile version