عبدالله شراحيلي
ليس الألم دائمًا عدوًّا يأتي ليهزمنا؛ أحيانًا يأتي ليعيد ترتيب أرواحنا، ويكشف لنا ما كنا نجهله عن أنفسنا. يطرق أبواب القلب بلا استئذان، ويقيم فيه أيامًا ثقيلة، حتى نظن أن الفرح قد نسي الطريق إلينا.
لكن الإنسان، مهما أثقلته الحياة، يملك في أعماقه شيئًا عجيبًا لا ينكسر بسهولة: الأمل.
الأمل ليس أن تتجاهل وجعك، ولا أن تتظاهر بأن كل شيء بخير، وإنما أن تنظر إلى الألم بعينٍ أخرى؛ أن تقول لنفسك: نعم، لقد أوجعني ما حدث، لكنه لن يكتب نهايتي.
كم من قلبٍ ظن صاحبه أنه لن يبتسم بعد اليوم، ثم جاءت الأيام بما لم يكن في الحسبان. وكم من بابٍ أُغلق حتى ظن صاحبه أن الطرق كلها قد انتهت، فإذا بالحياة تفتح له بابًا لم يكن يراه.
إن أصعب اللحظات ليست تلك التي نبكي فيها، وإنما تلك التي نفقد فيها القدرة على انتظار الغد. وحين يعود إلى القلب إيمانه بأن الغد قد يحمل شيئًا أجمل، يبدأ الشفاء الحقيقي.
فالأمل لا يزيل الألم بضربة واحدة، لكنه يمنحنا القدرة على حمله دون أن نسقط. يجعلنا نمضي خطوةً صغيرة بعد أخرى، حتى نكتشف ذات صباح أننا ابتعدنا كثيرًا عن المكان الذي ظننا أننا سنبقى أسرى فيه إلى الأبد.
ولذلك، لا تخجل من ضعفك حين تتعب، ولا تلُم قلبك إذا انكسر، ولا تستعجل الشفاء. بعض الجراح تحتاج إلى وقت، وبعض الأحزان لا تغادرنا دفعةً واحدة؛ إنها تنسحب من أرواحنا كما ينسحب الليل أمام أول خيطٍ من الضوء.
وقد تكون أعظم انتصارات الإنسان تلك التي لا يصفق لها أحد: أن ينهض بعد انكساره، وأن يبدأ من جديد بعد خيبة، وأن يحتفظ بنقاء قلبه رغم ما مرّ به.
ليس المهم كم مرةً أوجعتنا الحياة، وإنما كم مرةً اخترنا أن ننهض.
فإذا ضاقت بك الأيام، تذكّر أن الليل مهما طال لا يملك أن يمنع الصباح، وأن الغيمة مهما أثقلت السماء لا تستطيع أن تحجب الشمس إلى الأبد.
سيأتي يومٌ تنظر فيه إلى الألم الذي أبكاك، فتدرك أنه لم يكن نهاية الطريق، بل منعطفًا قادك إلى نسخةٍ أقوى وأعمق وأكثر معرفةً بالحياة.
وعندما ينتصر الأمل على الألم، لا يعني ذلك أن الماضي اختفى؛ بل يعني أنك أصبحت أكبر من أن يهزمك.
فلا تطفئ آخر شمعة في قلبك بسبب ليلةٍ عابرة، ولا تحكم على حياتك من فصلٍ مؤلم؛ فربما كانت الصفحة التي تبكيك اليوم هي الصفحة التي تسبق أجمل صفحات قصتك.
اترك في قلبك نافذةً مفتوحة للغد؛ فقد يأتيك منه ما يجعلك تحمد الله طويلًا على أنك لم تستسلم.

