عبدالله شراحيلي
من الحقائق التي نتعلمها متأخرين أن كثرة الأصدقاء لا تعني كثرة الأوفياء، وأن ازدحام الأسماء حولك لا يعني بالضرورة أن هناك قلبًا واحدًا مستعدًا أن يبقى حين تتغير الظروف.
في أيام الرخاء، يسهل أن تجد من يضحك معك، ويشاركك أفراحك، ويكثر من عبارات الود. لكن الأيام لا تُعرّفنا بالأصدقاء الحقيقيين إلا حين تضيق بنا، وحين لا يكون في أيدينا ما نقدمه، ولا في جيوبنا ما يغري، ولا في حضورنا ما يحقق مصلحة.
هناك، عند أول منعطفٍ صعب، تبدأ الوجوه في التبدّل.
منهم من يبتعد بصمت، ومنهم من يتغير فجأة، ومنهم من كان قريبًا لأن حاجته كانت قريبة منك. وعندها لا تكون الصدمة في رحيلهم، وإنما في اكتشافك أنك كنت تمنحهم من ثقتك أكثر مما يستحقون.
ومع ذلك، ليس من العدل أن نقول إن الوفاء قد انقرض؛ فما زالت في الحياة قلوب نادرة، لكنها لا تُعلن عن نفسها كثيرًا. صديقٌ واحد صادق قد يغنيك عن عشرات العلاقات العابرة، وشخصٌ يقف بجانبك في لحظة ضعف قد يكون أثمن من الذين شاركوك سنواتٍ من الضحك.
الصديق الحقيقي لا يحتاج إلى كثرة الوعود؛ يكفي أن تعرف أنك إذا احتجته فلن يختبئ خلف الأعذار، وأن غيابك لا يجعله ينساك، وأن اختلافك معه لا يحوّل المودة إلى خصومة.
ولعل أجمل ما يفعله بنا الزمن أنه يعلّمنا ألا نمنح الثقة دفعةً واحدة. فالثقة ليست كلمة تُقال، وإنما مواقف تتراكم، ووفاء يتكرر، وصدق يظهر حين لا يكون هناك رقيب.
لذلك، لا تحزن حين يقلّ عدد من حولك مع مرور الأيام؛ فربما لم تخسر أصدقاء، وإنما خسرت أوهامًا كنت تسميها صداقة.
والحقيقة المرة ليست أن الأصدقاء المخلصين نادرون فحسب، بل أن الإنسان أحيانًا لا يعرف قيمة المخلص إلا بعد أن يجرّب كثيرًا من الذين لم يكونوا كذلك.
فاحفظ من بقي صادقًا، ولا تفرّط في قلبٍ أثبتته المواقف، ولا تجعل خيباتك من البعض سببًا في ظلم من يستحقون محبتك.
فالوفيّ وإن قلّ، كنز؛ والصديق الصادق وإن ندر، وطنٌ صغير لا يخون.

