بقلم أ . غميص الظهيري.
في رحاب مكة المكرمة، وعلى مقربة من الموقع التاريخي للحديبية، يقف متحف صلح الحديبية بوصفه مساحة تجمع بين عراقة المكان وثراء الذاكرة التاريخية وجمال التراث. ويقع المتحف في منطقة أم الجود بالحديبية على طريق مكة–جدة القديم، في محيط ارتبط بواحد من أبرز أحداث السيرة النبوية، وهو صلح الحديبية وبيعة الرضوان.
وتزداد خصوصية المتحف من ارتباطه بالمكان الذي شهد أحداثًا عظيمة في السيرة النبوية؛ فالزائر لا يأتي إلى متحف يعرض تاريخًا بعيدًا فحسب، وإنما يجد نفسه في محيط جغرافي ارتبط بالحدث نفسه، الأمر الذي يمنح التجربة بعدًا مختلفًا ويجعل زيارة المتحف رحلة تجمع بين المعرفة واستحضار المكان والتأمل في تفاصيل قصة بقي أثرها حاضرًا في الذاكرة الإسلامية.
والمتحف، الذي يملكه الشيخ حمود حماد الثبيتي، جاء ثمرة اهتمام شخصي بتوثيق تاريخ المنطقة وما يرتبط بها من إرث ديني وتراثي وشعبي، وقد ارتبطت فكرة إنشائه برغبة في تعريف الزوار بتاريخ الحديبية وموروث المملكة، وتحويل ما تحمله المنطقة من ذاكرة إلى تجربة يستطيع الزائر أن يراها ويستمع إليها ويتفاعل معها. كما تحدث في مناسبات إعلامية عن أهمية تقديم أحداث السيرة النبوية بأسلوب حديث ومبسط يصل إلى مختلف الأعمار والجنسيات.
وعند التجول في أروقة المتحف، يجد الزائر مزيجًا لافتًا من المقتنيات التي تستحضر جوانب متعددة من التاريخ والتراث. فمن السيارات القديمة والتحف، إلى الأدوات التراثية التي كانت جزءًا من حياة الأجداد، تتشكل أمام الزائر صورة واسعة عن الموروث الشعبي في المملكة. وتضم إحدى المساحات خيمة تراثية تحتوي على الدلال والنجر والكراسي الخشبية، إلى جانب مجالس وبوابات ذات طابع معماري قديم، فيما يحتضن المتحف أيضًا إسطبلًا للخيول وقسمًا للإبل ومسرحًا يستضيف عددًا من الفعاليات والبرامج.
ومن المقتنيات اللافتة كذلك وجود طائرة قديمة للدفاع المدني، ارتبطت باستخدامات خدمية في إطفاء الحرائق في المشاعر المقدسة ومساعدة الحجاج، إلى جانب سيارات قديمة تعود إلى حقبة الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله، وهو ما يمنح المتحف بعدًا آخر يتجاوز قصة الحديبية إلى توثيق جوانب من تاريخ المملكة وتطور الحياة والخدمات فيها.
ويأخذ الجانب المتعلق بصلح الحديبية مساحة خاصة من هوية المتحف؛ إذ لا يكتفي بعرض المعلومات المكتوبة، بل يوظف المجسمات والعروض المرئية والصوتية لتقريب الحدث التاريخي من الزائر. ومن بين العناصر التي أشير إليها مجسمات تحاكي بيعة الرضوان ومواقع خيام النبي ﷺ وأصحابه، إلى جانب عرض مرئي وصوتي يروي قصة المفاوضات التي سبقت الصلح وصولًا إلى توقيعه، في محاولة لجعل الزائر يعيش الحدث بصريًا وسمعيًا بدل الاكتفاء بقراءته.
وتتسع رؤية المتحف لتشمل توثيق التراث الإسلامي والموروث الشعبي لمناطق المملكة، وربط الماضي بالحاضر بأسلوب يجعل المتحف مكانًا للتعلم والتأمل والتجربة في الوقت نفسه. وقد عبّر رئيس مجلس إدارة المتحف عن توجه يقوم على تقديم السيرة النبوية بطريقة حديثة ومبسطة تخاطب مختلف الأعمار والجنسيات، والاستفادة من المجسمات والعروض الصوتية والبصرية حتى تبقى التجربة عالقة في ذاكرة الزائر.
ومن الجوانب التي تضيف للمتحف قيمة خاصة محاكاته لبعض المعالم المرتبطة بتاريخ الحديبية، ومنها محاكاة الشجرة والبئر المعروفين باسم «الحدباء»، مع لوحات تعريفية تشرح قصتهما، إضافة إلى اهتمامه بتوثيق بعض الآثار والمعالم القريبة من الموقع. وهذا الاهتمام يجعل المتحف جزءًا من منظومة أوسع تهدف إلى تعريف الزائر بتاريخ المنطقة وليس بالمتحف وحده.
ولعل أكثر ما يجذب الزوار إلى المتحف هو هذا التنوع اللافت؛ فهناك الزائر المهتم بالسيرة النبوية، وهناك الباحث عن التراث الشعبي، وهناك من يستمتع بمشاهدة السيارات والمقتنيات القديمة، وهناك الطلاب والوفود والزوار من خارج المملكة الذين يجدون في المتحف فرصة للتعرف على جانب من تاريخ مكة والمملكة. وقد استقبل المتحف بالفعل وفودًا وطلابًا من دول مختلفة، من بينهم وفد من الطلاب المتفوقين وحفظة القرآن من تركيا، حيث تعرفوا على مقتنيات المتحف واستمعوا إلى شرح عن أركانه ومحتوياته.
كما أن وجود الخيول والإبل، والجلسات التراثية، والمسرح والفعاليات، يمنح المكان طابعًا مختلفًا عن المتاحف التقليدية؛ فالتجربة لا تقتصر على مشاهدة القطع خلف واجهات العرض، وإنما تمتد إلى أجواء تراثية حية وفعاليات اجتماعية وثقافية تستقطب الزوار وتمنحهم مساحة للتفاعل والاستمتاع. وقد شهد المتحف زيارات لمجموعات سياحية وفعاليات جمعت بين التعرف على المقتنيات والبرامج الثقافية والضيافة.
وتبرز رسالة المتحف في المحافظة على الذاكرة التاريخية للمكان، وتعريف الأجيال بقصة صلح الحديبية وما تحمله من معانٍ وقيم، إلى جانب صون جوانب من التراث والموروث الشعبي السعودي وإتاحته للزوار في صورة تجمع بين الأصالة ووسائل العرض الحديثة. أما رؤيته فتتجلى في أن يكون المتحف تجربة معرفية وثقافية تصل إلى مختلف فئات المجتمع والزائرين من داخل المملكة وخارجها، وأن يجعل من التاريخ شيئًا يُرى ويُسمع ويُعاش، لا مجرد معلومات تُقرأ في الكتب.
وهكذا يكتسب متحف صلح الحديبية خصوصيته من اجتماع عناصر قلما تجتمع في مكان واحد؛ موقع تاريخي يرتبط بالسيرة النبوية، ومقتنيات تستحضر ذاكرة المجتمع السعودي، ومجسمات وعروض تحاكي أحداث الحديبية، وأجواء تراثية تضم الخيل والإبل والمجالس القديمة، إلى جانب المسرح والفعاليات التي تمنح المكان حياة متجددة.
إن زيارة متحف صلح الحديبية ليست مجرد جولة بين مقتنيات قديمة، بل رحلة في ذاكرة المكان؛ تبدأ من قصة حدث غيّر مسار مرحلة من تاريخ الإسلام، وتمتد إلى صفحات من تاريخ المملكة وتراثها وموروثها الشعبي. وبين الماضي الذي يحكيه المتحف والحاضر الذي يقدمه بأساليب العرض الحديثة، يجد الزائر نفسه أمام تجربة تجمع المعرفة والمتعة والتأمل، وتترك في الذاكرة صورة لمكانٍ أراد صاحبه أن يحفظ حكايته وأن يفتح أبوابه للأجيال والزوار من مختلف أنحاء العالم.
وفي الحديبية، حيث بقيت للأرض ذاكرتها، يأتي المتحف ليمنح هذه الذاكرة صوتًا وصورة وحضورًا؛ ليظل المكان يحكي، وتظل المقتنيات شاهدة، وتبقى قصة صلح الحديبية حاضرة في وجدان كل من يزوره.

