Site icon صحيفة صدى نيوز إس

الإنتصار الذي لا يراه أحد

 

ثمة انتصارات لا يصفق لها أحد، ولا تُرفع من أجلها الرايات، ولا تُلتقط لها الصور.

انتصارات تحدث في عتمة الروح، حين يكون بإمكانك أن ترد الإساءة بإساءة، فتختار ألا تفعل.

وحين تستطيع أن تفضح من خذلك، فتختار الصمت.

وحين تستطيع أن تركض خلف من ابتعد، فتقرر أن تحفظ ما تبقى منك وتمضي.

ذلك هو الانتصار الذي لا يراه أحد، لكنه ربما يكون أعظم انتصارات الإنسان.

لقد تعلمنا، ونحن نصغر، أن المنتصر هو من يغلب خصمه، وأن الأقوى هو من تكون كلمته الأخيرة. ثم كبرنا، واكتشفنا أن الحياة أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.

اكتشفنا أن هناك معارك إذا ربحتها خسرت نفسك، وأن هناك أشخاصًا لا يستحقون منك حتى عناء إثبات أنك كنت على حق.

وأدركنا متأخرين أن بعض الانتصارات ليست في أن تقول: لقد هزمتك، بل في أن تقول لنفسك: لم أسمح لك أن تجعلني مثلك.

أقسى المعارك هي التي تدور في الداخل

ليس أصعب ما في الخذلان أن يرحل شخص أحببناه، بل أن نمنع رحيله من تحويلنا إلى أشخاص لا يشبهوننا.

أن يخونك أحدهم، ثم لا تصبح خائنًا.

أن يقسو عليك أحدهم، ثم لا تتعلم القسوة.

أن يستغل طيبتك، ثم لا تتحول إلى إنسان يشك في الجميع.

أن يكذب عليك، ثم لا تجعل الكذب طريقتك في التعامل مع الحياة.

هنا تحديدًا يكون الانتصار.

أن تتألم دون أن تؤذي.

أن تغضب دون أن تظلم.

أن تنكسر دون أن تكسر أحدًا.

فالإنسان لا يُقاس بما فعله به الآخرون، وإنما بما اختار أن يكونه بعد ما فعلوه.

لا تطارد من اختار الغياب

من أكثر الأشياء التي تستنزف الإنسان أن يحاول الاحتفاظ بمن قرر الرحيل.

نبرر غيابه، ونبحث له عن الأعذار، ونراجع كلماتنا، ونفتش في الرسائل القديمة عن خطأ ارتكبناه، ثم نبدأ في اختراع ألف سبب يبرر لنا لماذا تغيّر.

لكن الحقيقة أحيانًا أبسط وأكثر قسوة:

من يريدك سيجد طريقًا إليك، ومن لا يريدك سيجد ألف طريق للابتعاد.

وليس من الكرامة أن تظل واقفًا أمام باب أغلقه صاحبه، تطرق عليه كل يوم وتقول: ربما يسمعني هذه المرة.

بعض الأبواب لا تحتاج إلى مزيد من الطرق، بل تحتاج إلى أن تبتعد عنها.

ليس لأنك لا تحب، وإنما لأنك تعلمت أن الحب الذي يجعلك تهون على نفسك ليس حبًا يستحق أن تدفع من أجله كرامتك.

الانسحاب ليس دائمًا هزيمة

هناك انسحاب يشبه الهزيمة، وهناك انسحاب يشبه النجاة.

أن تنسحب من علاقة تستنزف روحك، ليس ضعفًا.

أن تترك جدالًا عقيمًا، ليس عجزًا.

أن تصمت أمام استفزاز، ليس خوفًا.

أن تغادر مكانًا لا يقدّر وجودك، ليس غرورًا.

أحيانًا يكون الرحيل أكثر شجاعة من البقاء.

فليس مطلوبًا منك أن تنتصر في كل نقاش، ولا أن تشرح نفسك لكل أحد، ولا أن تقنع من تعمد إساءة فهمك.

هناك أشخاص مهما شرحت لهم، سيبحثون عن تفسير يناسب موقفهم منك.

اتركهم لتفسيرهم.

أنت لست مشروعًا دائمًا لإقناع الآخرين بحقيقتك.

الكرامة لا تعني القسوة

الكرامة ليست أن تغلق قلبك، ولا أن تتعمد البرود، ولا أن تعاقب الآخرين بالصمت.

الكرامة أن تعرف حدودك.

أن تستطيع أن تقول: أخطأت، فتعتذر.

وأن تقول: سامحت، فتتجاوز.

وأن تقول: أحبك، دون أن تتسول الحب.

وأن تقول: أحتاجك، دون أن تفقد نفسك.

وأن تقول: سأرحل، حين يصبح بقائي إهانة لروحي.

أجمل ما في الكرامة أنها لا تحتاج إلى صخب.

لا تحتاج أن تهدد بالرحيل؛ يكفي أن تعرف متى ترحل.

ولا تحتاج أن تشرح أنك تأذيت؛ يكفي أن تعرف كيف تحمي نفسك من تكرار الأذى.

لا تجعل الخذلان يفسد أجمل ما فيك

أخطر ما يفعله الخذلان بالإنسان أنه يقنعه بأن الطيبة خطأ، وأن الثقة سذاجة، وأن الحب ضعف.

وهذه أكبر كذبة يمكن أن نصدقها.

الخطأ ليس أنك كنت طيبًا، وإنما أنك وضعت طيبتك في المكان الخطأ.

وليس الخطأ أنك وثقت، وإنما أنك وثقت بمن لم يكن جديرًا بثقتك.

ولا تندم لأنك أحببت بصدق؛ يكفي أنك لم تكن نسخة سيئة من شخص آخر.

احتفظ بطيبتك، لكن لا تكن ساذجًا.

احتفظ بقلبك، لكن ضع له أبوابًا.

سامح، لكن لا تعُد إلى المكان الذي كُسرت فيه بالطريقة نفسها.

في نهاية الطريق

سيأتي يوم لا تعود فيه مهتمًا بمن انتصر في الخلاف، ومن قال الكلمة الأخيرة، ومن رحل أولًا، ومن اعتذر ومن لم يعتذر.

ستصبح مهتمًا بشيء واحد:

هل ما زلت أنا؟

هل بقي قلبك نظيفًا؟

هل بقي ضميرك مرتاحًا؟

هل استطعت أن تنام دون أن تخجل من نفسك؟

هل خسرت أشخاصًا دون أن تخسر مبادئك؟

هل خرجت من المعارك دون أن تحمل معك رغبة في الانتقام؟

إذا كانت الإجابة نعم، فأنت لم تخسر.

ربما خسرت علاقة، أو صداقة، أو شخصًا ظننته باقياً إلى الأبد.

لكنّك ربحت شيئًا أثمن:

ربحت نفسك.

وهذا هو الانتصار الذي لا يستطيع أحد أن يسلبه منك.

فالحياة ليست مسابقة لإثبات من كان على حق، ولا ساحة لتصفية الحسابات.

الحياة أقصر من أن نقضي نصفها في مطاردة من ابتعد، والنصف الآخر في الانتقام ممن آذانا.

امضِ.

اترك لكل إنسان اختياره، ولكل غائب غيابه، ولكل ظالم حسابه، ولكل جرح وقته.

أما أنت، فاحفظ قلبك من أن يتحول إلى مقبرة لكل من مرّ بك.

لا تنتصر عليهم بأن تؤذيهم، بل انتصر عليهم بأن تعيش دون أن تحتاج إليهم، ودون أن تصبح مثلهم.

وحين تصل إلى هذه المرحلة، ستكتشف الحقيقة التي تأخرنا كثيرًا في فهمها:

أعظم انتصار في الحياة أن تخسر ما كان يؤذيك، دون أن تخسر نفسك وأنت تحاول الاحتفاظ به.

بقلم/ محمد باجعفر

Exit mobile version