ا. محمد باجعفر
حين يكون السكوت أطهر لسان في وجه التهم الباطلة
في زحام الحياة وتعدد الطبائع والأمزجة، يمر الإنسان بمواقف دقيقة تختبر معدنه الأصيل وصبره النبيل. وحين يواجه العاقل سفاهة الجاهل أو طيش العابرين، يبرز خيار “الصمت” كعلامة فارقة تفصل بين رفعة الأخلاق ودناءة الجدال. فصمت الرجال الشرفاء ليس عجزاً عن الرد، ولا قلة حيلة، بل هو أسمى مراتب الترفّع وصون القدر، وتجلٍ حقيقي لثقافة النفوس الكبيرة التي تُدرك متى تتكلم ومتى تتعالى.
عندما يُرمى النقي بما ليس فيه
أقسى ما يواجه المرء في مسيرته هو ذلك الموقف الحرِج حين يُفاجأ الإنسان بتهمة باطلة لم يخطر لها ببال، أو يُنسب إليه ما بريء منه براءة الذئب من دم يوسف. في تلك اللحظة الأولى، يشتعل الداخل بثورة الغضب والاستنكار، وتتدافع الكلمات إلى شفتي الإنسان مطالبة بحق الدفاع العاجل وإثبات الحقيقة. غير أن التوقف للحظات أمام تفاهة المصدر وعقم النقاش يكشف حقيقة أعمق؛ وهي أن محاولة إقناع شخص عازم على سوء الظن تشبه حرث الريح أو محاولة إيقاظ من يتظاهر بالنائم.
وبلاغة السكوت في مواطن الاتهام حين تتهم بما ليس فيك، يصبح التبرير المستمر أحياناً طوق نجاة للمتطاول ومنحه حجماً لا يستحقه. هنا يأتي دور الصمت الواعي، لا عجزاً عن البيان، بل ترفّعاً عن الدخول في مستنقعات الجدل العقيم.
حفظ الطاقة النفسية: استهلاك الجهد في تفنيد الأكاذيب يوهن الروح، بينما تجاهلها يتركها تذبل وحدها.
إسقاط قيمة الباطل: التهمة الباطلة كالشرارة، إن لم تجد حطباً توقد فيه، خبت وانطفأت وحدها.
ثبات اليقين: من يعلم براءته يقينًا لا يحتاج إلى الصراخ ليثبت للناس نقاء سريرته؛ فالشمس لا تحتاج إلى من يؤكد حضورها في رابعة النهار.
ف الحكمة الخالدة في مواجهة البهتان
لقد أدرك الحكماء عبر التاريخ هذه الحقيقة، فجاءت درر الحكم ناطقة بها، معبرة عما يجول في خاطر كل شريف أُبلي بمثل هذا البلاء:
إذا نطق السفيه فلا تُجبهُ … فخيرٌ من إجابته السكوتُ
فإن كلّمتَهُ فرّجتَ عنهُ … وإن خَلَّيتَهُ كَمَداً يموتُ
إن الصمت في وجه الاتهامات الظالمة هو الإدانة الحقيقية الوحيدة للمتطاول، ورسالة صامتة تفيد بأن مكانتك أرفع من أن تنالها ريح التجنّي. يظل الشريف محافظاً على طمأنينة روحه ونقاء سريرته، واثقاً بأن الأيام كفيلة بإنضاج الحقائق وكنس زبد الأكاذيب، ليبقى الجبل شامخاً لا تضره ريح العابثين.

