Site icon صحيفة صدى نيوز إس

حين يتعدى الشغف حدود العقل: قصة «الفتى الكشاف المشع»

 

بقلم: أحمد علي بكري

في ليلة هادئة داخل أحد الأحياء الأمريكية، لم يكن أحد يتوقع أن كوخًا خشبيًا صغيرًا في فناء منزل عادي يخفي وراء جدرانه قصة يمكن أن تتحول إلى واحدة من أغرب وقائع التجارب العلمية الفردية في العصر الحديث. لم يكن داخل ذلك الكوخ مختبرًا تابعًا لجامعة أو مركزًا للأبحاث النووية، بل كان المكان ملكًا لمراهق لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، قرر أن يقترب بنفسه من عالم الذرة والإشعاع. كان ذلك الفتى هو ديفيد هان، الذي عُرف لاحقًا في الصحافة الأمريكية بلقب «الفتى الكشاف المشع» (Radioactive Boy Scout)، بعد أن حاول بناء مفاعل نووي في سقيفة صغيرة خلف منزل والدته. بدأت القصة بشغف علمي حقيقي؛ فقد كان هان مولعًا بالكيمياء والفيزياء، ولا سيما عالم الذرة والطاقة النووية. كان يقرأ بشغف، ويبحث عن المعلومات خارج المناهج المدرسية، ويحاول أن يفهم أسرار العناصر المشعة وكيفية تفاعلها. ومع الوقت، لم يعد الكتاب يروي له ما يريد معرفته، فأراد أن يخوض التجربة بنفسه. كانت المشكلة أن المجال الذي اختاره لم يكن تجربة كيميائية عادية يمكن إجراؤها على طاولة منزلية؛ فقد دخل عالم المواد المشعة، حيث لا تكفي الجرأة ولا الحماسة، وحيث يمكن لخطر غير مرئي أن يظل حاضرًا حتى بعد انتهاء التجربة. بدأ هان يبحث عن مصادر تحتوي على مواد مشعة يمكن الحصول عليها من منتجات متداولة، وتمكن من جمع مواد من مصادر مختلفة، من بينها الأمريسيوم المرتبط ببعض كواشف الدخان، والثوريوم الموجود في بعض منتجات الإضاءة القديمة، إضافة إلى مواد أخرى مشعة. وكان يتعامل مع هذه المواد بوصفها أجزاء من مشروع أكبر يطمح من خلاله إلى بناء مفاعل نووي صغير. ولم يكن مجرد جمع المواد هو الجزء الأكثر غرابة في القصة، بل إصراره على مواصلة المشروع رغم أن البيئة التي يعمل فيها لم تكن مختبرًا علميًا ولا تتوافر فيها تجهيزات الحماية والقياس والسيطرة المطلوبة للتعامل مع المواد المشعة. كان الكوخ الخشبي في فناء المنزل يتحول تدريجيًا إلى مكان شديد الخطورة، بينما كان صاحبه ينظر إلى الأمر باعتباره تحديًا علميًا يجب التغلب عليه. كان هان يريد الوصول إلى تفاعل نووي متسلسل، واهتم بفكرة المفاعل التوليدي «Breeder Reactor»، وهي من المفاهيم المتقدمة في الفيزياء والهندسة النووية. إلا أن الرواية التي تقول إنه نجح بالفعل في بناء مفاعل نووي عامل ليست دقيقة؛ فهان لم يتمكن من بناء مفاعل نووي بالمعنى العلمي، ولم ينجح في تحقيق تفاعل متسلسل مستقر. ما حدث كان مختلفًا، لكنه لم يكن أقل خطورة؛ فقد استطاع تجميع مواد مشعة وإنشاء مصدر بدائي للنيوترونات، وتسبب في تراكم مواد ملوثة داخل الكوخ. وهنا تحولت القصة من تجربة مراهق شغوف إلى مشكلة تتعلق بالسلامة العامة. فالإشعاع لا يملك الشكل المرئي للخطر؛ لا دخان يحذر منه، ولا لهب يعلن وجوده، وقد يقف الإنسان بالقرب من مصدر إشعاعي دون أن يشعر بشيء في اللحظة نفسها. ولهذا فإن التعامل غير المنضبط مع المواد المشعة يمكن أن يؤدي إلى تعرض الإنسان للخطر أو انتقال التلوث إلى الأسطح والتربة والبيئة المحيطة. ومع مرور الوقت، أصبحت السقيفة الصغيرة تحمل آثار مشروع تجاوز بكثير حدود الهواية العلمية. ثم جاءت اللحظة التي كشفت القصة بأكملها. في عام 1994، أوقفته الشرطة في واقعة لا علاقة مباشرة لها بمشروعه النووي، وخلال التفتيش ظهرت مواد أثارت الشبهات، لتبدأ السلطات في تتبع مصدرها. وسرعان ما اتضح أن وراء تلك المواد قصة غير عادية: مراهق كان يجمع مصادر مشعة ويجري عليها تجارب في سقيفة خلف منزل والدته. عندها دخلت الجهات المختصة على الخط، ولم تعد المسألة شأنًا عائليًا أو تجربة شخصية، بل أصبحت قضية تتطلب تقييمًا إشعاعيًا وإجراءات إزالة وتطهير. وعندما وصلت فرق الاختصاص إلى الموقع، تبين أن السقيفة تحتوي على مواد وأدوات ملوثة، وأن مستويات الإشعاع تستدعي التعامل معها باعتبارها خطرًا بيئيًا. لم يكن الحل مجرد التخلص من بعض العبوات وإغلاق الباب، بل كان لا بد من تفكيك الموقع وإزالة المواد الملوثة بطريقة متخصصة. وفي يونيو 1995، جرى تفكيك السقيفة، وجُمعت المواد والمكونات الملوثة ونقلت في 39 برميلًا إلى منشأة مخصصة للنفايات المشعة في ولاية يوتا. وهكذا انتهت مغامرة المراهق الذي أراد الاقتراب من أسرار الذرة إلى عملية تنظيف حكومية، بعدما أصبح الكوخ الصغير الذي كان يراه مختبره الخاص موقعًا ملوثًا يحتاج إلى معالجة متخصصة. والمفارقة أن هان لم يكن يسعى إلى صناعة سلاح أو إيذاء أحد، بل كان مدفوعًا بفضول علمي شديد ورغبة في إثبات قدرته على تنفيذ ما قرأ عنه. وهذا الجانب تحديدًا هو الذي يجعل قصته جديرة بالتأمل؛ فالفضول الذي يدفع الإنسان إلى البحث والاكتشاف هو نفسه الذي صنع كثيرًا من أعظم الإنجازات العلمية، لكن الفضول عندما يتحول إلى ممارسة بلا معرفة كافية أو إشراف متخصص يمكن أن يتحول إلى خطر. إن الفرق بين العالم والهاوي في المجالات الخطرة لا يكمن دائمًا في مقدار الذكاء، وإنما في المنهج، والتدريب، والقدرة على تقييم المخاطر، والالتزام بإجراءات السلامة. وقد يكون الإنسان شديد الذكاء وقادرًا على فهم المعادلات والمفاهيم، لكنه يظل عاجزًا عن تقدير ما قد يحدث عندما يخرج من الورق إلى الواقع. وقصة ديفيد هان تقدم مثالًا واضحًا على ذلك؛ فقد استطاع أن يجمع مواد مشعة وأن يقترب من إنشاء مصدر نيوترونات، لكنه لم يمتلك البيئة العلمية التي تسمح له بفهم جميع المخاطر والتحكم فيها. ومن هنا فإن وصفه بأنه «بنى مفاعلًا نوويًا في منزله» يختزل القصة بطريقة مثيرة لكنها غير دقيقة، بينما الحقيقة نفسها أكثر إثارة؛ إذ كيف استطاع مراهق أن يجمع مواد مشعة من مصادر مختلفة، وأن يحول سقيفة منزلية إلى موقع لتجارب نووية بدائية، وأن يستمر في ذلك إلى أن اكتشفته السلطات؟ لقد كانت التجربة بالنسبة إليه مشروعًا علميًا، لكنها بالنسبة إلى الجهات المختصة أصبحت حادثة تلوث إشعاعي تستوجب التدخل. والأهم من ذلك أن هذه القصة تفتح بابًا أوسع حول مسؤولية المجتمع تجاه المواهب العلمية. فالمراهق الذي يمتلك شغفًا استثنائيًا بالعلوم لا يحتاج إلى إخماد فضوله، وإنما يحتاج إلى توجيهه. ولو وجد هان في وقت مبكر بيئة علمية مناسبة، ومعلمًا متخصصًا ومختبرًا آمنًا يستطيع من خلاله تطوير اهتمامه، فربما اتخذ شغفه مسارًا مختلفًا تمامًا. فالعبقرية وحدها لا تكفي لصناعة عالم، كما أن الجرأة وحدها لا تصنع اكتشافًا؛ إنما يحتاج العلم إلى معرفة ومنهج وأخلاق ومسؤولية. ولهذا بقيت قصة «الفتى الكشاف المشع» حاضرة في الكتب والمقالات التي تناولت التجارب العلمية الغريبة، ليس لأنها قصة مراهق نجح في بناء مفاعل نووي، بل لأنها قصة مراهق حاول أن يفعل ذلك، فوجد نفسه في النهاية أمام خطر لم يعد قادرًا على التحكم فيه. إنها قصة تكشف الوجه الآخر للشغف العلمي، وتضع أمامنا سؤالًا مهمًا: ماذا يحدث عندما يكون طموح الإنسان أكبر من الأدوات والمعرفة والبيئة التي يمتلكها؟ الإجابة كانت في ذلك الكوخ الخشبي؛ مشروع بدأ بحلم الوصول إلى عالم الذرة، وانتهى ببراميل من النفايات المشعة وعملية تطهير حكومية. وربما يكون الدرس الأهم من الحكاية أن العلم لا يعاقب الفضول، لكنه لا يغفر الاستهانة بالخطر؛ فالمعرفة الحقيقية ليست أن تعرف كيف تفعل الشيء فحسب، وإنما أن تعرف متى يمكن فعله، وكيف يمكن فعله بأمان، ومتى يجب أن تتوقف وتطلب مساعدة المتخصصين. وهنا بالضبط يقع الحد الفاصل بين الشغف الذي يصنع عالمًا، والشغف الذي قد يصنع كارثة.

Exit mobile version