Site icon صحيفة صدى نيوز إس

مذكرات رجل مشاغب

بقلم: فايل المطاعني الحكواتي

لكل واحدٍ منا صندوقٌ يحتفظ فيه بذكرياته؛ فمنا من يمتلك الشجاعة ليبوح بتلك الذكريات، ومنا من يدسّها في ذلك الصندوق، ثم يحكم إغلاقه، وكأنه يخشى أن تخرج منه حكاية قديمة فتقلب عليه هدوء الحاضر.

أما أنا، فقد قررت أن أفتح الصندوق بين الحين والآخر، ليس لأنني أحب كشف أسراري، وإنما لأن بعض الذكريات، مهما حاولنا دفنها، تعرف جيدًا كيف تعود.

هند كامل العراقية

إهداء إلى المرأة التي ضحّت وأعطت، ولكن القدر لم يسعفها لتكمل عطاءها.

كان يومًا من أيام مارس الربيعية، وكنت في حفلة أقيمت في أحد البيوت العراقية العريقة، بصحبة صديقي محمد العراقي، كما يحب أن يعرّف عن نفسه.

ومن لا يعرف صديقي محمد، فهو عدوّ لذلك الكائن اللطيف الذي نسميه «الجنس اللطيف».

أما صديقي الحاقد، صاحب العيون الخضراء، فيسميها ببساطة: «الحرمة»!

والمتغطية بذلك الشادر الأسود الكئيب، يقصد العباءة، هي في نظره صاحبة الرحلة الثلاثية الخالدة: من بيت أبيها، إلى بيت زوجها، وتنتهي الرحلة إلى القبر!

ولن أخوض معكم طويلًا في أفكاره السوداء تجاه ذلك الكائن الجميل؛ فالمعركة بيننا تدور كلما التقينا، ونعود إلى النقاش نفسه، وكأننا نعقد مؤتمرًا دوليًا لا نهاية له.

وكما يقول العمانيون في مثل هذه المواقف:

«الموضوع حباله طويلة».

وفجأة، وقفت أمامي فتاة لم تتجاوز الرابعة والعشرين ربيعًا، وقالت بصوت أقرب إلى الهمس، وبخجل:

— الأستاذ فايل؟

وكانت تفخّم الفاء، فعلمت أنها تعاني في نطق اسمي، والحقيقة أنني لا ألومها؛ فأنا أيضًا أعاني من نطقه أحيانًا!

فقلت لها، وقد أطربني صوتها:

— نعم، أنا هو.

ابتسمت وقالت، بحياء وأدب شديدين:

— ممكن أتحدث معك في موضوع؟

ثم ألقت نظرة عابرة إلى صديقي الحبيب.

فقلت لها، وبفرح غامر:

— أنتِ عراقية، أليس كذلك؟ لهجتك وثقتك بنفسك تدلان على أنك عراقية.

لم تجب، لكنها هزّت رأسها، فتساقطت خصلات من شعرها الذهبي الذي يشبه سنابل القمح ساعة قطافها، فأضفى ذلك على محدثتي جمالًا فاق التصور والخيال.

وبعد تردد قصير قالت:

— فقط النصف… فأنا عراقية الأم وخليجية الأب.

ولم تكمل.

فقد لمحت نظرات صديقي محمد الحادة.

والغريب أن النساء ينفرن من صديقي، رغم وسامته؛ فله نظرات حادة ووجه جامد، وكأنه وُلد وهو يحمل في وجهه قرارًا بمنع الابتسام!

فقلت لها:

— لقد بردت قهوتي.

والحقيقة، وهذا سر بيني وبينكم، أنني لا أحب شرب القهوة إطلاقًا!

لكن المهم ليس الآن أن أخبركم بما أحب، فلكل إنسان أسراره، وبعض الأسرار لو خرجت إلى العلن لأصبحت مذكرات أخرى!

نظرت إلى صديقي وقلت:

— يبدو أن عشتار لديها حديث طويل تريد أن تخصني به.

وضربت رجله من تحت الطاولة، إشارةً إلى أن يترك مكانه فورًا.

وقبل أن يترك مكانه، لمحت في عينيه الخضراوين شيئًا يشبه الحسد.

فليس كل الكتاب يحظون بمرافقة الحسناوات!

حسنًا، تريدون أن أصف لكم محدثتي؟

الحقيقة أنني لا أعرف كيف أصف الفتيات، ولذلك سأختصر عليكم الطريق.

كانت تشبه إلى حد بعيد الممثلة العراقية هند كامل، لكن ما كان يميزها عن هند ذلك الترف والدلال المبالغ فيه.

وعندما رحبت بي بلهجة عراقية مترفة، التقت الحضارات في عينيها، فأصبحت أمامي أيقونة من أيقونات الجمال.

وبعد أن استعادت ثقتها بنفسها قالت:

— اسمي ريم صالح.

وبعد ثوانٍ قليلة أضافت:

— الجنية.

لمحت الاستغراب في عيني، والدهشة أيضًا، وقلت في نفسي:

جميل أن أكون معروفًا لدى الجن!

لكن حالها تغيّر مئة وثمانين درجة عندما نظرت إلى ساعتها، وقد قاربت الساعة الثانية عشرة صباحًا.

نهضت فجأة.

وكأنها سندريلا، تذكرت في اللحظة الأخيرة أن الحكايات الجميلة لا تسمح لأبطالها بالبقاء طويلًا!

قالت:

— يجب أن أغادر الحفل.

وعلى عجالة، أخبرتني برقم هاتفها، ثم خرجت.

وبقيت أتابعها بنظرات حائرة، وأبحث بعيني، لعلني أجد حذاءها!

فربما أحتفظ به، فمن يدري؟ لعلني أحتاجه يومًا لإكمال الحكاية.

وبقي لساني يقول:

هل كان هذا حلم يقظة؟ أم أنني دخلت فعلًا في حكاية من حكايات الجن؟

لم أجد تفسيرًا لما حدث، وكل ما كنت أعرفه أن تلك الفتاة تركت خلفها سؤالًا أكبر من الإجابة.

ومن هنا بدأت الحكاية…

غدًا نكمل الجزء الثاني من ذكرياتي مع الجنية.

مع تحيات

الولد الشقي سابقًا

الحكواتي حاليًا

بقلم: فايل المطاعني الحكواتي

المعاني

★ هند كامل: ممثلة عراقية شهيرة.

★ «الموضوع حباله طويلة»: مثل شعبي عُماني يُقال عن الموضوع المتشعب الذي يطول الحديث فيه، ولا يبدو له حل قريب.

★ عشتار: إلهة من آلهة بلاد الرافدين، وهي الاسم الأكدي للإلهة السومرية إنانا، وارتبطت بالحب والعشق والحرب، ومن رموزها الأسد والنجمة/الزهرة ذات الثمانية أطراف.

تنويه من الحكواتي

هذه الحكاية ليست من نسج الخيال، وإنما هي حكاية حقيقية عشت تفاصيلها واحتفظت بها الذاكرة سنوات طويلة، وقد آن للحكواتي أن يفتح صندوق ذكرياته ويخرج منها بعض الحكايات.

أما الأسماء الواردة في الحكاية، فقد غيّرتها ولم أذكر الأسماء الحقيقية، احترامًا لأصحابها وخصوصيتهم؛ فالحكواتي يروي الحكاية كما حدثت، لكنه يعرف أيضًا متى يخفي الاسم.

الحكاية حقيقية… والأسماء فقط من اختيار الحكواتي.

Exit mobile version