بقلم: د .معدي بن حسين علي آل حية
ليست القرى مجرد بيوتٍ متجاورة، ولا تُقاس قيمتها باتساع مساحتها أو عدد سكانها؛ فهناك قرى تكتسب مكانتها من أهلها، وأخلاقهم، وروابطهم، وذاكرتهم الجميلة. ومن هذه القرى التي تستحق أن تُذكر بكل اعتزاز قرية وادي زيد، إحدى قرى محافظة أحد رفيدة بمنطقة عسير،، في موقع مميز يتوسط الطريق بين أحد رفيدة وسراة عبيدة، وقريبة من خميس مشيط.
ترتبط بطريق نجران العام وطريق آخر يربطها بالقرى المجاورة والمدارس والجمعيات الخيرية وجامع الشيخ هيف بن محمد بن عبود رحمه الله تعالى و المركز الصحي
وتُظهر المصادر المحلية أن وادي زيد من قرى قبيلة لجوان العريقة رفيدة قحطان التابعة لمحافظة أحد رفيدة.
قرية وادي زيد ليست قريةً عابرة في الذاكرة، بل هي مكان ارتبط في وجدان أهلها ومن عرفهم بالمحبة والألفة والتكاتف. ففيها جيل من كبار السن عُرفوا بالطيبة وحسن المعشر وكرم الخلق، جمعهم الود، ووحّد بينهم الوفاء، وكانوا نموذجًا جميلًا في التواصل وصلة الرحم والوقوف مع بعضهم في الأفراح والأتراح.
رحم الله أولئك الشيبان الذين كانوا جزءًا من ذاكرة القرية وروحها، ورحلوا عن الدنيا وبقيت سيرتهم الطيبة بين أهلهم ومحبيهم. كانوا رجالًا تركوا أثرًا لا يموت، وأصبح ذكرهم مقرونًا بالمواقف الطيبة والقلوب الصافية. نسأل الله أن يجعل ما قدموه من خير في موازين حسناتهم، وأن يرفع درجات من انتقل منهم إلى رحمته، وأن يجمعهم في مستقر رحمته.
ولم تتوقف هذه الروح عند جيل الآباء؛ فقد حمل جيل الشباب في وادي زيد راية التواصل والمحبة، وأصبح بينهم من التآلف والتكاتف ما يعكس أصالة المجتمع وترابطه. ومن أجمل ما يميز هذه القرية أن أبناءها، على اختلاف مواقعهم وأعمالهم، ظلوا محافظين على روابطهم الاجتماعية، فلم تشغلهم الوظائف والمناصب، ولا أبعدتهم مشاغل الحياة عن بعضهم.
وفي وادي زيد نماذج مشرفة من أبناء القرية ممن يعملون في قطاعات ومواقع مختلفة في الدولة، وقد جمعهم إلى جانب العمل والنجاح المهني رابطٌ أقوى؛ هو رابط المحبة والانتماء للقرية. ولذلك أصبحت لقاءاتهم المتكررة في رمضان، والصيف، والأعياد، والمناسبات الاجتماعية صورة مشرقة للتواصل، وتجسيدًا لمعنى أن الإنسان مهما ابتعد في عمله وموقعه، يبقى لأهله وموطنه مكان خاص في قلبه.
وهذه اللقاءات ليست مجرد مناسبات عابرة، وإنما هي جسر يصل الماضي بالحاضر، ويعرّف الأبناء بتاريخ آبائهم، ويقوّي أواصر الجيل الجديد، ويؤكد أن العلاقات الاجتماعية إذا بُنيت على الصدق والاحترام فإنها تبقى أقوى من تقلبات الزمن.
وقد أصبحت وادي زيد، في نظري وفي نظر من عرف أهلها، مضربًا للمحبة والألفة والتكاتف؛ فحين تجتمع الطيبة مع الوفاء، والنجاح مع التواضع، والقرابة مع حسن التعامل، تصبح القرية أكبر من حدود المكان، وتتحول إلى قيمة اجتماعية وإنسانية يعيشها أهلها ويفتخر بها من يعرفهم.
وللوادي أيضًا حكايته مع الطبيعة؛ فالمكان يتميز بجمال عسير المعروف من جبال وأودية وخضرة، ومحافظة أحد رفيدة نفسها تقع في بيئة جبلية ذات طبيعة جذابة ومناخ لطيف،
وفي وادي زيد تتزين الأرض بالخضرة، وتبقى عين وادي السدة من المعالم التي ارتبطت بذاكرة المكان وأهله، فتجتمع في القرية جمال الطبيعة مع جمال الإنسان؛ وكأن الخضرة التي تكسو الأرض انعكاسٌ لذلك الصفاء الذي يسكن قلوب أهلها
أما علاقتي بهذه القرية وأهلها، فهي علاقة أعتز بها كثيرًا؛ فقد جمعتني بأهالي وادي زيد علاقة قوية ومتينة، امتدت إلى كبار السن الذين أكن لهم كل تقدير واحترام، وإلى جيل الشباب الذين أجد فيهم استمرارًا لذلك الإرث الجميل من التواصل والوفاء.
وأقولها بكل صدق: إن ما يربطني بأهالي وادي زيد ليس مجرد معرفة عابرة، وإنما محبة ومواقف وذكريات وعلاقات امتدت عبر السنين، ولذلك فإن الحديث عن وادي زيد بالنسبة لي حديث عن أناس لهم مكانة خاصة في القلب.
وما أجمل أن يحافظ أبناء القرى على هذه الروح في زمن تتسارع فيه الحياة، وتتباعد فيه اللقاءات، وتنشغل فيه الأجيال بمشاغلها. إن المحافظة على المجالس، والزيارات، واللقاءات، والسؤال عن الكبير، والاهتمام بالشباب، وربط الأبناء بتاريخ آبائهم؛ كل ذلك ليس ترفًا اجتماعيًا، بل هو حفاظ على هوية المجتمع وتماسكه.
وأسأل الله أن يحفظ أهل وادي زيد، وأن يديم بينهم المحبة والألفة، وأن يوفق شبابهم، ويسدد خطاهم، ويبارك في أعمالهم وأسرهم، وأن يجعلهم خير خلف لخير سلف.
رحم الله من رحل من شيبان وادي زيد، وحفظ الله الأحياء منهم، وأطال أعمارهم على الطاعة والصحة والعافية، وجمع قلوب الجميع على الخير والمحبة، وأدام على وادي زيد الخير وألفتها وتكاتف أهلها.
فبعض الأماكن تُعرف بموقعها،
أما وادي زيد فتُعرف بأهلها.
**وإذا كان للمكان عنوان، فإن عنوان وادي زيد: المحبة والوفاء.**

