Site icon صحيفة صدى نيوز إس

أمعاء الضفدع وتحدي السرطان: رحلة البحث عن العلاج المفقود

 

بقلم: أحمد علي بكري

لم يعد البحث عن علاجات جديدة للسرطان مقتصرًا على اكتشاف مركبات كيميائية جديدة أو تطوير أجسام مضادة وأدوية تستهدف مسارات محددة داخل الخلايا، بل اتجه جزء من أبحاث السرطان الحديثة إلى عالم مختلف تمامًا: عالم البكتيريا والميكروبيوم. وفي هذا السياق برزت دراسة حديثة تناولت بكتيريا Ewingella americana المعزولة من أمعاء بعض البرمائيات والزواحف، ودرست قدرتها على استهداف الأورام وتنشيط الجهاز المناعي في الوقت نفسه. وقد نشرت الدراسة في دورية Gut Microbes عام 2025، وأظهرت في نماذج حيوانية ومخبرية نتائج تستحق البحث المتواصل، لكنها لا تعني حتى الآن أن علاجًا جاهزًا للسرطان أصبح متاحًا للبشر.

الفكرة الأساسية تقوم على استغلال خاصية موجودة في عدد من البكتيريا التي تستطيع العيش في ظروف منخفضة الأكسجين. وهذه الخاصية تكتسب أهمية خاصة عند التعامل مع الأورام الصلبة؛ فداخل كثير من الأورام توجد مناطق تعاني من نقص الأكسجين بسبب اضطراب الأوعية الدموية وعدم انتظام تدفق الدم، وهو ما يجعل البيئة الداخلية للورم مختلفة بصورة واضحة عن الأنسجة السليمة. وقد وثقت دراسات واسعة وجود نقص الأكسجين داخل أنواع متعددة من الأورام وعلاقته بتغيرات بيولوجية وجينية مهمة في الخلايا السرطانية.

هنا تظهر إحدى الأفكار الأكثر إثارة في العلاج البكتيري للسرطان: بدل أن يحاول الدواء الوصول إلى جميع خلايا الجسم ثم الاعتماد على اختلاف الخلية السرطانية عن السليمة، يمكن نظريًا استغلال البيئة الخاصة بالورم نفسها لتوجيه الكائنات المجهرية نحوه. فالبكتيريا القادرة على النمو في البيئات منخفضة الأكسجين يمكن أن تجد داخل بعض الأورام ظروفًا مناسبة للاستقرار والتكاثر، بما يفتح الباب أمام استخدامها كوسيلة لنقل التأثير العلاجي إلى المنطقة السرطانية نفسها.

الدراسة الخاصة بـ Ewingella americana لم تعتمد على نوع واحد من البكتيريا منذ البداية، بل فحص الباحثون تسع سلالات بكتيرية عُزلت من أمعاء برمائيات وزواحف، ثم قارنوا خصائصها المضادة للأورام. وكانت Ewingella americana من أبرز السلالات التي أظهرت نشاطًا قاتلًا للخلايا الورمية مع قدرة على استهداف بيئة الورم. ووفق نتائج الباحثين، لم يكن تأثيرها قائمًا على آلية واحدة، وإنما ظهر من خلال مسارين متكاملين: تأثير مباشر في الخلايا السرطانية، وتأثير مناعي يساعد الجسم على مهاجمة الورم.

وتكمن أهمية المسار الأول في أن البكتيريا لا تكتفي بمجرد الوصول إلى الورم، بل يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في الخلايا الموجودة داخله. أما المسار الثاني فيتعلق بالجهاز المناعي؛ إذ تشير الدراسة إلى أن وجود البكتيريا أدى إلى تنشيط مجموعة من الخلايا المناعية، من بينها الخلايا التائية والعدلات والخلايا البائية، بحيث يتحول الورم من هدف تتعامل معه البكتيريا إلى بيئة تستنفر فيها عدة مكونات مناعة الجسم في الوقت نفسه.

وهذه النقطة مهمة للغاية في فهم الاتجاه الجديد للعلاج. فالسرطان لا يمثل مجرد كتلة من الخلايا المنقسمة بصورة غير طبيعية؛ بل يعيش داخل بيئة معقدة تضم أوعية دموية وخلايا مناعية وأنسجة داعمة وإشارات كيميائية متعددة. ولذلك فإن قتل بعض الخلايا السرطانية وحده قد لا يكون كافيًا دائمًا، لأن الخلايا المتبقية تستطيع الاستمرار في النمو أو مقاومة العلاج. أما الجمع بين استهداف الورم مباشرة وتنشيط الاستجابة المناعية فيمنح الباحثين تصورًا علاجيًا متعدد المسارات.

وفي التجارب التي أوردتها الدراسة، أظهرت Ewingella americana قدرة على إحداث تراجع في الأورام في نماذج حيوانية، وكانت النتائج في بعض المقارنات أفضل من العلاجات التي استخدمها الباحثون للمقارنة، ومنها جسم مضاد يستهدف PD-L1 والدوكسوروبيسين. وهذه النتيجة مثيرة علميًا لأنها تشير إلى أن البكتيريا قد تمتلك تأثيرًا علاجيًا يتجاوز مجرد السمية المباشرة للخلايا السرطانية. لكن من المهم فهم طبيعة الدليل: هذه النتائج جاءت من نماذج وتجارب قبل سريرية، وليست نتائج تجربة علاجية واسعة على مرضى السرطان.

والأكثر إثارة أن الباحثين لم يركزوا فقط على قدرة البكتيريا على مهاجمة الورم، بل درسوا أيضًا سلامتها في نماذج الفئران. وأفادت الدراسة بأن السلالة المستخدمة أظهرت سمية محدودة في الجرعات العلاجية التي اختبرها الباحثون، ولم تظهر آثارًا ضارة كبيرة في تلك النماذج. لكن هذه النتيجة لا تعني أن البكتيريا آمنة للاستخدام العلاجي البشري؛ فانتقال أي علاج بكتيري من الحيوان إلى الإنسان يتطلب مراحل طويلة من اختبارات السمية والجرعات والتوزيع داخل الجسم واحتمالات العدوى والتفاعلات المناعية.

وهنا تظهر نقطة تستحق الانتباه بشدة: Ewingella americana ليست بكتيريا يمكن وصفها بأنها عديمة الخطورة بصورة مطلقة. فقد وثقت الأدبيات الطبية حالات نادرة من العدوى البشرية بهذه البكتيريا، بما في ذلك حالات تجرثم دم، كما وردت حالة حديثة لمريض مصاب بالسرطان خضع للعلاج الكيميائي وأصيب بإنتان مرتبط بها. ولذلك فإن أي محاولة لتحويل هذه البكتيريا إلى علاج يجب أن توازن بدقة بين فائدتها المحتملة في مهاجمة الورم وخطر قدرتها على إحداث عدوى، خصوصًا لدى المرضى الذين تكون أجهزتهم المناعية ضعيفة.

وهذه المفارقة هي التي تجعل البحث العلمي في هذا المجال شديد الحساسية: البكتيريا نفسها يمكن أن تكون جزءًا من المشكلة عندما تسبب عدوى، لكنها قد تصبح أداة علاجية إذا استطاع العلماء التحكم في خصائصها وتوجيهها إلى الورم وضبط سلوكها داخل الجسم. ولذلك لا يكفي أن تكون البكتيريا قادرة على قتل الخلايا السرطانية؛ بل يجب أن تكون قابلة للسيطرة، وأن يكون تأثيرها في الورم أكبر بكثير من تأثيرها في الأنسجة السليمة.

ومن هنا تأتي أهمية الهندسة الحيوية والميكروبيوم في الجيل الجديد من أبحاث السرطان. فالهدف ليس بالضرورة إعطاء المريض بكتيريا بصورة عشوائية، وإنما تطوير سلالات أو أنظمة بكتيرية يمكن التحكم في خصائصها، بحيث تستطيع الوصول إلى الورم، والبقاء فيه فترة مناسبة، وإطلاق تأثير علاجي محسوب، ثم التوقف أو التخلص منها بعد انتهاء مهمتها. وهذه الفكرة تشكل أحد الاتجاهات التي تجعل البكتيريا أشبه بـ”مركبات حية” يمكن تصميمها لأداء وظيفة علاجية محددة.

كما أن بيئة الورم نفسها قد تكون مفتاحًا في هذه العملية. فالأورام الصلبة يمكن أن تحتوي على مناطق منخفضة الأكسجين، وهذه المناطق ليست مجرد مشكلة أمام العلاج؛ بل يمكن تحويلها نظريًا إلى نقطة ضعف تستغلها العلاجات البكتيرية. وقد أظهرت أبحاث السرطان أن نقص الأكسجين داخل الأورام يرتبط بتغيرات جزيئية واسعة، كما أن البيئة ناقصة الأكسجين تؤثر في سلوك الخلايا السرطانية واستجابتها للعلاج.

وهذا يفسر لماذا تبدو فكرة البكتيريا الموجهة نحو الأورام مختلفة عن مفهوم المضاد الكيميائي التقليدي. فالدواء الكيميائي ينتشر وفق خصائصه الدوائية داخل الجسم، بينما تحاول العلاجات البكتيرية استغلال البيئة المحلية للورم لجعل الكائن المجهري يتجمع في المكان المطلوب. وإذا أمكن التحكم في هذه العملية بدرجة عالية من الدقة، فقد يصبح من الممكن تقليل التعرض غير الضروري للأنسجة السليمة، مع الحفاظ على تركيز علاجي أعلى داخل الورم.

لكن الطريق من الفأر إلى الإنسان طويل. فنجاح علاج في نموذج حيواني لا يضمن نجاحه عند البشر، لأن الجهاز المناعي والتمثيل الغذائي وتوزيع الأوعية الدموية وحجم الأورام وطبيعة الميكروبيوم تختلف بين الأنواع. كما أن السرطان ليس مرضًا واحدًا؛ فسرطان القولون يختلف عن سرطان البنكرياس أو الرئة أو الدماغ أو الثدي في بنيته الجزيئية وبيئته الداخلية واستجابته للعلاجات. ولذلك فإن ما ينجح مع ورم معين قد لا ينجح مع ورم آخر.

ومن الأسئلة المهمة أيضًا: كيف يتعامل الجهاز المناعي مع البكتيريا نفسها؟ فإذا قضى الجسم عليها بسرعة فقد لا تحصل على الوقت الكافي للوصول إلى الورم وإحداث تأثيرها. وإذا بقيت داخل الجسم فترة طويلة فقد ترتفع مخاطر العدوى أو الالتهاب. وبالتالي فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في العثور على بكتيريا “تقتل السرطان”، وإنما في الوصول إلى توازن دقيق بين الاستهداف الورمي، والفعالية العلاجية، والسيطرة على البكتيريا، وسلامة المريض.

وتفتح هذه النتائج كذلك بابًا أوسع للبحث في الميكروبيوم لدى الكائنات التي لم تحظَ بالقدر نفسه من الدراسة مقارنة بالإنسان. فقد أظهرت الدراسة أن أمعاء البرمائيات والزواحف يمكن أن تحتوي على سلالات ذات خصائص بيولوجية لم تكن مستثمرة علاجيًا من قبل. وهذا يعني أن التنوع الحيوي لا يمثل مجرد مادة للدراسة البيئية، بل قد يكون مستودعًا لمركبات وكائنات وعمليات حيوية يمكن أن تحمل قيمة دوائية مستقبلية.

والفكرة الأعمق هنا أن الطبيعة لا تقدم دائمًا العلاج في صورة حبة دوائية جاهزة؛ فقد تقدم للعلماء آلية بيولوجية تحتاج إلى فهم ثم إعادة تصميم وتطوير. وما يكتشفه الباحثون في أمعاء ضفدع أو زاحف قد يقود، بعد سنوات من التجارب، إلى منصة علاجية مختلفة تمامًا عن الأدوية التقليدية. لكن قيمة الاكتشاف العلمي لا تقاس فقط بمدى غرابته، وإنما بقدرته على الصمود أمام الاختبارات المتكررة وإثبات فعاليته وسلامته في التجارب السريرية.

ولهذا فإن الحديث عن Ewingella americana باعتبارها “علاجًا للسرطان” سابق لأوانه، بينما الحديث عنها باعتبارها مرشحًا بحثيًا واعدًا للعلاج البكتيري للأورام يتفق بصورة أكبر مع طبيعة الأدلة المنشورة حتى الآن. فالنتائج الحالية مهمة لأنها تقدم دليلًا قبل سريريًا على إمكانية الجمع بين قتل الورم مباشرة وتنشيط المناعة، لكنها لا تجيب بعد عن السؤال الأهم: هل يمكن تحويل هذه الآلية إلى علاج آمن وفعال للإنسان؟

قد تكون الإجابة في السنوات القادمة، وقد تكشف التجارب اللاحقة حدود هذه الفكرة أو تقود إلى تطويرها. وفي الحالتين، فإن هذا النوع من الأبحاث يغير طريقة التفكير في مصادر العلاج؛ فبدل النظر إلى الكائنات الدقيقة باعتبارها مجرد مسببات للأمراض، أصبح العلماء يدرسون إمكانية تحويل بعضها إلى أدوات دقيقة لمواجهة أمراض معقدة. وبين أمعاء ضفدع صغير وورم سرطاني داخل جسم الإنسان، تمتد رحلة علمية طويلة، قد يكون فيها أحد مفاتيح الطب القادم مختبئًا في مكان لم يكن أحد يتوقع أن يبحث فيه.

Exit mobile version