Site icon صحيفة صدى نيوز إس

حين يتكلم الحجر.. هل النقش فن أم ذاكرة؟

مكة المكرمة – أشواق السروجي

منذ أن عرف الإنسان الحجر، لم يكتف بأن يمر به، بل ترك عليه شيئا منه. رسم ونحت وكتب ووثق مشاهد من حياته، وكأنه كان يعرف بطريقة ما أن الإنسان يرحل، بينما قد يبقى الحجر شاهدا.

ومن هنا يأتي السؤال: هل النقش فن؟ أم أنه وثيقة؟ أم رسالة تركها إنسان مضى منذ آلاف السنين؟

ربما يكون الجواب أنه قد يكون كل ذلك معا.

فالفن الصخري والنقوش القديمة لا تكشف لنا عن مهارة الإنسان في الرسم والنحت فقط، بل تمنح الباحثين نافذة على حياة المجتمعات القديمة وبيئاتها ومعتقداتها وأنشطتها. وفي منطقة حمى الثقافية في نجران مثلا، حفظت الصخور سجلا يمتد لنحو سبعة آلاف عام، ويضم رسوما للصيد والحيوانات والنباتات وأنماط الحياة، إلى جانب كتابات بعدة أنظمة كتابية. وقد أدرجت اليونسكو المنطقة على قائمة التراث العالمي عام 2021.

لم يكن هناك سبب واحد لجميع النقوش.

فبعضها يصور الحيوانات والصيد، وبعضها يتضمن أسماء أو عبارات أو أحداثا، وبعضها يرتبط بمعتقدات وممارسات اجتماعية. وكانت طرق القوافل والتنقل من الأماكن التي ترك فيها المسافرون آثار حضورهم مثل العسيلة بمكة المكرمة.

وهذا ما يجعل النقش أكثر من مجرد رسم؛ فقد يكون دليلا على الحيوان الذي عاش في البيئة و طريقة الصيد، أو حركة الإنسان و اللغة التي استخدمها، أو حتى الأحداث التي أراد أن يوثقها.

وفي المملكة العربية السعودية أمثلة عديدة على هذا الإرث. ويكشف جبل شمنصير في محافظة الكامل بمنطقة مكة المكرمة عن جانب من ذلك؛ إذ يضم نقوشا ثمودية ورسومات صخرية، منها رسوم للوعل، إلى جانب آثار قديمة ومدرجات زراعية ومقابر. 

النحت أيضا لم يكن مجرد رغبة في التزيين.

ففي الحضارات المختلفة ارتبط النحت بالدين والطقوس والدفن وتخليد الأشخاص وإظهار السلطة، كما استخدم في العمارة والزخرفة.

واللافت أن الباحث لا ينظر إلى المجسم أو النقش منفردا؛ بل يقرأه ضمن سياقه: أين وجد؟ وما الذي يحيط به؟ وما المادة التي صنع منها؟ وما الأسلوب المستخدم؟ وهل توجد كتابة أو آثار أخرى مرتبطة به؟

فالسياق قد يحول قطعة حجرية من مجرد شكل جميل إلى مفتاح لفهم مجتمع كامل.

عندما نشاهد الآثار المصرية اليوم نجد كثيرا من الأعمال المصرية القديمة كانت تستخدم فيها الألوان.

فاللون لم يكن مجرد إضافة جمالية، بل كان جزءا من تكوين المشهد وإبراز عناصره ودلالاته الرمزية.

وهنا نكتشف أمرا مهما: ما نراه اليوم ليس دائما الصورة التي كان عليها الأثر في زمنه.

فقد يفقد الحجر لونه مع مرور الزمن، بينما تبقى خطوطه ونقوشه شاهدة على الماضي.

والسؤال الأجمل.. ماذا سيقولون عنا بعد ألف سنة؟

هنا يمكن أن ننظر إلى حاضرنا بعين مختلفة.

ماذا لو وجد إنسان بعد ألف عام اسما محفورا على صخرة؟

أو قلبا يخترقه سهم؟

أو رسما بالوان البخاخ على جدار؟

هل سيدرسه باعتباره أثرا؟

ليس بالضرورة. فمرور الزمن وحده لا يجعل كل رسم أثرا أثريا، لكن بعض العلامات المعاصرة قد تصبح مستقبلا مادة للدراسة إذا بقيت محفوظة، وأمكن تحديد زمنها وسياقها وعلاقتها بالمكان والمجتمع.

وربما يأتي يوم ينظر فيه إنسان آخر إلى آثار عصرنا، ويتساءل:

ماذا كان هؤلاء يريدون أن يقولوا؟

وعلماء الآثار عندما يدرسون النقوش القديمة لا يعتمدون على الشكل وحده ، وتوضح اليونسكو أن حالة التعرية والتصبغ والكسور في الصخور كانت من الأدلة المستخدمة في دراسة أصالة فنون ونالقوش .

لكن هناك سؤالا قد يكون أصعب من معرفة عمر النقش:

ماذا كان يقصد صاحبه؟

 فهم المعنى الحقيقي لرمز بسيط تركه شخص مجهول قد يبقى لغزا.

وهنا تكمن قيمة النقوش.

فالإنسان يستطيع أن يترك أثرا، لكنه لا يستطيع دائما أن يضمن أن يأتي من بعده ويفهم قصته كاملة.

الحجر ذاكرة المكان

عندما نقف اليوم أمام نقش قديم فنحن لا ننظر فقط إلى خطوط محفورة على صخرة.

نحن نقف أمام إنسان عاش قبلنا، أمسك أداة، واختار موضعا، وترك علامة.

قد لا نعرف اسمه، وقد لا نعرف كل ما كان يفكر فيه، لكننا نعرف أنه ترك لنا شيئا من عالمه.

وربما السؤال الحقيقي: 

ماذا أراد الإنسان أن يقول عندما اختار أن يكتب قصته على الحجر؟

فالنقش قد يكون فنا، وقد يكون لغة، وقد يكون وثيقة، وقد يكون ذاكرة. وأحيانا يكون كل ذلك في الوقت نفسه.

والأهم أن نحافظ اليوم على هذه الصفحات المفتوحة في جبالنا.

Exit mobile version